فنلندا بالعربي: يونس إجيري
كشفت فنلندا عن تقييم وطني محدّث للمخاطر يضم 24 تهديداً محتملاً قد يؤثر على أمن البلاد واستقرار المجتمع واستمرارية الخدمات الأساسية، في سياق يتسم بتزايد التحديات الجيوسياسية وتسارع التحولات التكنولوجية وتنامي المخاطر المرتبطة بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وأعلنت وزارة الداخلية الفنلندية، الاثنين 2 نونبر 2026، نشر النسخة الجديدة من التقييم الوطني للمخاطر، الذي يهدف إلى استشراف الأحداث المفاجئة التي قد تكون لها تداعيات واسعة على المستوى الوطني، وتحديد انعكاساتها على الوظائف الحيوية للمجتمع، بما يوفر أرضية مرجعية لمختلف المؤسسات والهيئات من أجل تعزيز استعدادها لمواجهة الأزمات المحتملة.
ويأتي هذا التحديث بعد النسخة السابقة التي صدرت سنة 2023، في إطار مراجعة دورية تعتمدها فنلندا، على غرار باقي دول الاتحاد الأوروبي التي تقدم تقييماتها الوطنية للمخاطر بشكل منتظم إلى المفوضية الأوروبية.
وسجل التقييم الجديد إدراج ثلاثة مخاطر إضافية تتعلق باضطراب إمكانية الوصول إلى المعلومات واستخدامها، وصعوبة توفير اليد العاملة المؤهلة خلال حالات الطوارئ، فضلاً عن التأثيرات المحتملة للاضطرابات التي قد تطال سلاسل القيمة والإنتاج العالمية، وهي مخاطر تعكس التحولات التي يشهدها المحيط الاقتصادي والتكنولوجي، وما تفرضه من تحديات على قدرة المؤسسات على ضمان استمرارية أنشطتها.
وفي تشخيصها للبيئة الأمنية، أشارت السلطات الفنلندية إلى أن التهديد الروسي طويل الأمد يشكل أحد أبرز مصادر التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، بالنظر إلى تعدد مستوياته وانعكاساته المحتملة، بالتزامن مع التحول التكنولوجي المتسارع الذي أصبح عاملاً مؤثراً في طبيعة المخاطر التي تهدد المجتمعات الحديثة.
وأكدت الوثيقة أن التعامل مع هذه التهديدات يقتضي الانتباه إلى الترابط القائم بينها، إذ يمكن لاضطراب في قطاع معين أن يمتد تأثيره إلى قطاعات أخرى، ويؤثر على مجموعة من الوظائف الأساسية، من بينها الطاقة والاتصالات والخدمات والمعلومات والإمدادات.
وفي هذا الإطار، حذر التقييم من التداعيات الواسعة التي قد تترتب على حدوث اضطرابات كبرى في توزيع الكهرباء، أو تعطل إتاحة المعلومات، أو انتشار جائحة، مشيراً إلى أن آثار هذه السيناريوهات قد تمتد إلى مختلف مكونات المجتمع، بما يجعل استمرارية الخدمات الحيوية جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني.
وصنفت السلطات الفنلندية التأثيرات السياسية والاقتصادية والضغوط الخارجية، إلى جانب التأثير في المجال المعلوماتي، ضمن المخاطر ذات الاحتمالية المرتفعة، كما أدرجت حرائق الغابات ضمن التهديدات التي تستدعي استعداداً مستمراً، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على السكان والبنيات التحتية والبيئة.
ولفتت الوزارة، في السياق ذاته، إلى ارتفاع مخاطر الحوادث البحرية المرتبطة بنشاط ما يعرف بـ«أسطول الظل» الروسي، الذي يثير مخاوف تتعلق بسلامة الملاحة البحرية واحتمالات وقوع حوادث قد تكون لها آثار بيئية واقتصادية وأمنية.
ورغم اختلاف درجات احتمال وقوع هذه المخاطر وحجم تأثيراتها، شدد التقييم على ضرورة الاستعداد حتى للسيناريوهات النادرة، باعتبار أن انخفاض احتمال وقوع حدث معين لا يلغي خطورة تداعياته عندما يتعلق الأمر بالوظائف الحيوية للدولة والمجتمع.
ونقلت وزارة الداخلية عن ماتي ساراسما، الأمين العام للوزارة، تأكيده أن أهمية الاستعداد ارتفعت على مختلف مستويات المجتمع الفنلندي، مشيراً إلى أن العمل الاستباقي يساهم في الحد من احتمالات تحقق التهديدات وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الاضطرابات والأزمات.
من جهته، أبرز جوسي كورونن، مدير الاستعداد، أن فنلندا تتوفر على عناصر قوة تساعدها على مواجهة المخاطر، من بينها التعاون الوثيق بين السلطات والتقاليد الطويلة في مجال الاستعداد، موضحاً أن هذا العمل يندرج ضمن المهام الاعتيادية لكل مؤسسة وفاعل في المجتمع.
وأُنجز التقييم الجديد من خلال تعاون مؤسساتي واسع شاركت فيه وزارة الداخلية ومكتب رئيس الوزراء والوزارات المختلفة ولجنة الأمن وجهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي وشرطة الدولة وحرس الحدود ومركز الإمدادات الاستراتيجية وهيئة التراخيص والرقابة، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني، من بينهم الصليب الأحمر الفنلندي.
وأوضحت الوزارة، أن التقييم الوطني لا يتضمن إجراءات تنفيذية لمواجهة المخاطر، بل يحدد طبيعتها وآثارها المحتملة، تاركاً لكل مؤسسة ومنظمة مسؤولية تحليل التهديدات التي قد تؤثر على أنشطتها، وتحديد التدابير المناسبة لضمان استمرارية عملها في الظروف الاستثنائية.
ويرتبط هذا التقييم بالاستراتيجية الأمنية للمجتمع الفنلندي، التي تقوم على نموذج الأمن الشامل والتنسيق بين مختلف الفاعلين، من سلطات عمومية وقطاع خاص ومنظمات مدنية، بهدف حماية الوظائف الحيوية وضمان استمرارها في مواجهة الأزمات.
ومن المنتظر أن تستكمل هذه العملية بتقييمات إقليمية للمخاطر، تراعي الخصوصيات الجغرافية والاقتصادية والأمنية لكل منطقة، على أن يتم نشرها خلال خريف سنة 2027.


