ركن شيخ مصطفى الشنضيض الإثنين 21 ديسمبر 2020 09:29 مساءً

كتاب وآراء – الشيخ والمفكر مصطفى الشنضيض

خرج الشيخ الحسن ولد الددو في إحدى القنوات، يتكلم بكل ثقة في موضوع بعيد عن تخصصه، ومتعال عن فهمه، وكبير عن حجمه، وفسيح عن استيعابه، ومتسع عن رقعه، ألا وهو ركن الوحدة الترابية للمملكة المغربية الشريفة.

أولا: أقول إن الموضوعات السيادية العظمى لم يعد بإمكان الفقهاء إدراكها بله تنويطها، وذلك لصعوبة الإحاطة بعناصرها، وتشعب الْتواءاتها، وكثرة تمفصلاتها والتقائياتها، وتعدد العوامل المتدخلة فيها، فلم يعد إدراك كل عناصرها السياسية والاقتصادية والقانونية والاستراتيجية ممكنا من قبل الأفراد ولا حتى المؤسسات الدينية. إذ إن تحقيق مناطات القضايا السيادية لا يستطيعها إلا الملك أو رئيس الدولة والسلطة التنفيذية.

ثانيا: إن زماننا الآن زمان تخصصات أكثر منه من أي زمن مضى، فكما أن الفقيه لا يحب من يدخل عرينه، ويتعاطى مواضيعه إلا فقيه مثله، فكذلك الأمر في الطب والهندسة والسياسة والعلاقات الدولية وغيرها من الميادين؛ فكما يضحك الفقيه والمحدث والأصولي من تعاطي المثقفين موادهم التخصصية، فكذلك الساسة والمفكرون والفلاسفة يضحكون من تعاطي الفقيه موادهم التخصصية، والدخول في مجالاتهم التداولية؛ فلكل فن مناهج بحثه، ومسالك تناوله. فلماذا يسمح الشيخ لنفسه بإبداء رأيه في غير تخصصه ومجاله.

ثالثا: بما أن الفقيه سمح لنفسه بإبداء الرأي في وحدتنا الترابية بغطاء ديني، فمن التدليس على العوام الاستدلال بنصوص القرآن الكريم التي يشترك الجميع في الإيمان بها وتبنيها، فهذا استئثار بها واحتكار لها بأن يجعلها خادمة لرأيه وحده دون غيره.

رابعا: لنتأمل جميعا قول الله تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً][النِّسَاءِ: 83].

جاء في هذا السياق ذكر المردود إليه وهو الرسول وأولو الأمر منهم، دون ذكر “الله تعالى”، لأن السياق سياق الاستنباط السياسي والعسكري والقيادي، بقرينة قوله تعالى: [وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ]. ولو أريد الشأن الديني في الآية، لقال الله تعالى: “لردوه إلى الله ورسوله” واستثنى “أولي الأمر منهم”، وإنما ذكر “الرسول” باعتباره قائدا عسكريا وإماما أعظمَ ورئيسا للدولة، لا باعتباره مبلغا عن الله، وذكر أولي الأمر باعتبارهم المستلمين للقيادة والإمامة الكبرى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيا فضيلة الشيخ! مَنْ المُناط به الحديث في الشأن العام والقرار فيه والبت بشأنه، أليس الحكام دون غيرهم؟ بنص الآية لمن يفقه مراميها.

وهذا يبين جليا خطأكم بالاستدلال بالآية: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] [النِّسَاءِ: 59]. أولا: لأن الله أمرنا بطاعة ولي الأمر فيها، وثانيا لأن الرجوع إلى الله ورسوله يكون عند التنازع، وإلا فطاعة ولي الأمر واجبة، ومعارضة العوام في القضايا الكبرى غير معتبرة، فالفقيه عامي في السياسة والطب وغيرهما، والطبيب والسياسي عاميان في الفقه وهكذا؛ فنحن لا نرى مخالفتكم معتبر أمام الجماهير المجمهرة حول قرار جلالة الملك.

خامسا: استدللتم بقوله تعالى: [وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] [النَّحْلِ:116]، أليست أول من يخاطب بها، هم أنتم الذين تكلمتم بالوهم والخرص والافتراض؟

سادسا: استشهدتم بقوله تعالى: ]قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ[[يُونُس: 59]، أقول إن هذا استشهاد في غير مناطه، فما دخل الرزق في ما نحن فيه، أم هو استكثار من النصوص، لسوق العوام إلى ما في الذهن، ثم إنه أنتم من يتحدث في هذا الباب عن الحرام والحلال.

سابعا: استدللتم بقوله تعالى: [وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهُِ] [الشُّورَى: 10]، وقوله تعالى: [إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ] [يُوسُف: 67]. والأصل أن تتركوا الحكم إلى الله، سواء أكان قدريا أو شرعيا، فلماذا تدخلتم في حكمه وأمره؟ أم الله فوضكم بالحديث باسمه؟.

ثامنا: هب أنك يا فضيلة الشيخ مؤهل -تنزلا- لتحقيق مناط الحكم في قضيتنا التي لم يسند مهمتها إليك أحد، فهل اتصلت بجلالة الملك محمد السادس نصره الله وفهمت منه الأمر، وسألته عن الإكراهات، والمصالح التي طَلب جلبَها، والمفاسد التي طلب درءها؟ وهل كان ينتظرنا مصير سوريا واليمن وليبيا عند رفض التطبيع الجزئي، أليس تجنب الدمار ضرورة، وأليس غنم الوحدة الترابية واجب، يا سيادة الفقيه. فهل جمعت كل الحيثيات قبل إبداء الرأي أم هو الإفتاء بغير تحقيق مناط، والافتئات على أصحاب الشأن؟.

فنرجو من فضيلتكم الارتياح من عناء التفكير في قضية المغرب، فالمغرب له ملكه وعلماؤه وساسته، والتقليل من الإعجاب بسحر الشاشة والمكرفون وتصفيق العوام.
#الله_يستر_العيب



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *