الرئيسية / الجالية العربية / عائشة بن بابا.. مسار متميز في عوالم الطبخ بين المغرب وفنلندا

عائشة بن بابا.. مسار متميز في عوالم الطبخ بين المغرب وفنلندا

 

فنلندا بالعربي- رشيد كروم

بدأت مسيرة عائشة بن بابا، المنحدرة من مدينة أكادير، مبكرا في سوق العمل عندما اشتغلت إلى جانب والدها كمساعدة في محل للقصابة، بعد أن قضت ثلاث سنوات فقط على مقاعد الدراسة، غادرت على إثرها أسوار المؤسسة التعليمية لتخوض غمار تجارب الحياة التي ساقتها دروبها إلى الاستقرار بفنلندا.

قررت عائشة الانطلاق في عالم المقاولة الذاتية بافتتاح محل لبيع الحلويات المغربية، بعدما راكمت في رصيدها تجربة لثمان سنوات من الاشتغال في محل القصابة العائلي، إلى جانب العمل من وقت لآخر في إعداد الوجبات والولائم الخاصة بالمناسبات الاجتماعية، في تجربة استمرت في المجموع اثنين وعشرين سنة.

بعدما ساقتها ظروف اجتماعية إلى السفر والاستقرار بفنلندا، ستعود عائشة مجددا بروح من العزيمة والتحدي -ورغم انقطاعها عن الدراسة لأزيد من عقدين- إلى الصف الدراسي في فنلندا، لكي تتمكن من الاندماج بشكل أمثل في المجتمع ولتخطو بذلك أولى خطواتها في تحقيق حلم طالما راودها بتأسيس مشروع خاص تترجم فيه شغفها وهوايتها بالطبخ إلى مورد دخل يحقق استقلاليتها المالية بدار المهجر.

تحكي السيدة عائشة لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن فترة السنوات الثلاث التي قضتها في التحصيل الدراسي المكثف بفنلندا مكنتها من إجادة لغة البلد المضيف، كما ساعدتها التكوينات التي قامت بها في عدد من المطاعم بالعاصمة هلسنكي في الاحتكاك عن كثب بسوق العمل والاطلاع الحثيث على متطلبات الاشتغال في بيئة جديدة ومعرفة القوانين المؤطرة لإنجاز مشروع خاص.

“رغم أنني تقدمت بطلب للاستمرار في الدراسة والالتحاق بمعاهد تكوين متخصصة، إلا أن القائمين على مكتب العمل، بالتشاور مع المؤسسة التعليمية، قرروا أن تجربة 22 سنة من الخبرة في مجال الطبخ، بالإضافة إلى التقييمات الإيجابية لمختلف المطاعم التي أجربت بها فترات التداريب، كانت عوامل كافية لتأهيليي مباشرة لسوق العمل”، تضيف عائشة.

لم يخطئ تقدير مكتب العمل بكل تأكيد، حيث التحقت عائشة مباشرة بأحد مطاعم العاصمة واشتغلت به طيلة سنتين ونصف، قبل أن تتلقى اقتراحا بتسيير مشروع مماثل في منطقة “ليبافارا” بمدينة “إسبو” -20 كلم عن هلسنكي-، وهو ما شكل منعطفا آخر في مسيرتها المهنية بحكم أنها استطاعت أن ترتقي بالمطعم إلى تحقيق تقييم 5 نجوم في غضون سنة واحدة، وهو ما أهل هذه المؤسسة للمشاركة في مسابقة أجود المطاعم خلال سنة 2017 أحرزت خلالها المرتبة الثالثة على مستوى فنلندا، في إنجاز فاجأ العديد من المراقبين والمهتمين بالمجال.

لم يتوقف طموح “الشيف” عائشة عن هذا المستوى. فبعد مضي قرابة عشر سنوات على قدومها إلى فنلندا ومراكمة رصيد معتبر في التسيير والتدبير إلى جانب براعتها وتمكنها من فن الطبخ – المغربي على الخصوص- اعتبرت السيدة المغربية أن الشروط صارت ناضجة لخوض غمار تحد جديد، وافتتحت في شتنبر الماضي مشروعها الخاص رفقة زوجها، بمحاذاة  مركز “إيسو أومينا” الذي اختير سنة 2019 كأفضل مركز تسوق في عموم المنطقة الشمالية لأوروبا من طرف المجلس الشمالي لمراكز التسوق (إن-سي-إس-سي).

وتحكي عائشة أن “الإقبال فاق كل التوقعات. يكفي أن أشير إلى أنه في ظرف أسبوعين فقط من افتتاح المطعم حصلنا على تقييم ال 5 نجوم. هذا التقييم قد لا تحصل عليه مؤسسات تشتغل في هذا المجال إلا بعد مرور سنوات”.

خلال أسابيع قليلة صار مطعم الشيف عائشة مرجعا لا محيد عنه لعشاق الطبخ المغربي بشكل خاص، والأكلات المتوسطية والشرقية عموما، سواء في أوساط الجالية المغربية أو العربية؛ وأيضا من الفنلنديين الذين تستويهم “الشهيوات” المغربية التي تحرص عائشة على إعدادها بكل إتقان وتفان.

تحكي بفخر كيف أنها تحرص على جلب عدد من المواد الأولية من المغرب رغم توفرها في بعض الأسواق في هلسنكي، سواء تعلق الأمر بزيت الزيتون والسمن أو براد الشاي والطواجن أو التوابل ومكونات الحلويات؛ مشيرة إلى أن هذا الحرص على الجودة لا يمثل إلا جزءا يسيرا من مجهود كسب قلوب الزبناء.

تعتبر عائشة أن النجاح الذي عرفه مشروع “لاسا”، الذي تشرف على تسييره إلى جانب زوجها، تطلب إعدادا طويلا ويسلتزم مجهودا كبيرا ومتواصلا لإرضاء الزبناء. “الفنلنديون غالبا يتناولون وجباتهم باكرا، هناك أيضا النباتيون، وبعض الزبناء مصابون بحساسية الغلوتين.. نحرص على معرفة متطلبات الفئات التي تتردد على المطعم وتلبيتها، من خلال إعداد بوفيه متنوع ابتداء من الساعة 11 صباحا إلى السابعة مساء”؛ مضيفة أنها تحرص مع ذلك على تحيين لائحة الوجبات تماشيا مع المناسبات والأعياد المغربية والفنلندية، وتوفير أجواء من البهجة والمتعة تضفي على المكان حميمة خاصة، خصوصا بالنسبة للمغتربين.

ورغم ما حققته السيدة عائشة بن بابا طيلة مسارها في عوالم الطبخ بفنلندا، إلا أن الحنين لا يزال يراودها إلى البلد الأم الذي تقوم بزيارته بانتظام كلما سنحت الفرصة، وتعتقد أن إمكانية الاستثمار من خلال مشروع مماثل بالمغرب قائمة، خصوصا مع ندرة المطاعم التي تعتمد نظام “البوفيه” المفتوح بأسعار في المتناول، لكن الأمر وفق عائشة قد يستغرق وقتا لتوفير إمكانيات من أجل تحقيق مستوى الجودة المطلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي