فنلندا بالعربي: يونس إجيري
احتضنت العاصمة الفنلندية هلسنكي، يوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، العرض الأوروبي الأول للشريط الوثائقي “النداء”، لمخرجه أحمد بوشلكة، بمبادرة من سفارة المملكة المغربية بفنلندا وإستونيا وذلك في إطار الاحتفاء بالذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء والذكرى الأولى لعيد الوحدة، في أمسية جمعت السينما بالذاكرة التاريخية والحوار بين الثقافات، بحضور شخصيات دبلوماسية وثقافية وجمعوية.
وفي كلمة ترحيبية بالمناسبة، أكد سفير المغرب بفنلندا وإستونيا، محمد أشكالو، الأهمية التاريخية والإنسانية لهذه المبادرة الثقافية، التي تندرج في إطار الاحتفاء المزدوج بذكرى المسيرة الخضراء وعيد الوحدة، مستحضرة بذلك محطة بارزة من تاريخ المملكة وما تحمله من دلالات في الذاكرة الوطنية. ويعكس احتضان السفارة لهذا الموعد السينمائي اهتمام الدبلوماسية المغربية بتقديم الذاكرة التاريخية للمملكة خارج حدودها، من خلال الثقافة والفن وفتح فضاءات للحوار مع الآخر.

وشهد العرض حضور مخرج الفيلم أحمد بوشلكة، والراوي الأمريكي تيرينس ليونارد أولسون، المعروف باسم “تيري أولسون”، إلى جانب كاتب السيناريو محمد أحمد كين، حيث أتيحت للحاضرين فرصة التعرف على الخلفيات الفنية والاختيارات السردية التي وجهت إنجاز هذا العمل الوثائقي، الذي يقدم قراءة أمريكية لحدث بارز في التاريخ المغربي.
ويعتمد فيلم “النداء” على رحلة تيري أولسون داخل المغرب، باعتباره راويا ومحاورا في الوقت نفسه، إذ يشكل مساره الخيط الناظم للعمل، من خلال انتقاله بين عدد من المناطق ولقاءاته مع الشهود والساكنة المحلية، في رحلة تستعيد ذاكرة المسيرة الخضراء من منظور إنساني، وتربط بين أحداث الماضي وملامح المغرب المعاصر.

ومن خلال هذه المقاربة، يمنح الفيلم مساحة للشهادات الفردية كي تستحضر تجربة جماعية، بما يجعل الذاكرة التاريخية أكثر قربا من الجمهور الأوروبي، ويتيح التعرف على مكانة المسيرة الخضراء في الوجدان المغربي، وما تختزنه من معاني الهوية والتعلق بالوطن.
وتشكل الرؤية الأمريكية إحدى الركائز الأساسية للسرد الوثائقي، إذ لا يقتصر دور أولسون على رواية الأحداث، بل يرافق المشاهد في رحلة لاكتشاف تاريخ المغرب وأبعاده الإنسانية والثقافية والوطنية. كما تتيح هذه التجربة تقديم نظرة خارجية متأنية إلى الذاكرة المغربية، مع استحضار الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع المملكة بالولايات المتحدة الأمريكية.

ولا ينفصل هذا الاختيار الفني عن رغبة الفيلم في استكشاف العلاقة بين الذاكرة والهوية والانتماء، من خلال شهادات تسلط الضوء على حضور المسيرة الخضراء في الوجدان الجماعي، فيما تربط الرحلة بين هذا الإرث التاريخي والتحولات التي شهدتها المملكة وتطلعات سكانها.
ويكتسب اختيار هلسنكي لاحتضان العرض الأوروبي الأول دلالة رمزية خاصة، بالنظر إلى ارتباط العاصمة الفنلندية بوثيقة هلسنكي الختامية، الموقعة في فاتح غشت 1975، أي قبل أشهر قليلة من تنظيم المسيرة الخضراء. وتؤكد الوثيقة، ضمن مبادئها، عدم اللجوء إلى القوة والتسوية السلمية للنزاعات، وهو ما يمنح استحضارها في سياق هذه المناسبة بعدا رمزيا، بالنظر إلى التقارب الزمني بين الحدثين، رغم اختلاف السياقات التاريخية التي شهداها.

كما يكتسب استحضار عيد الوحدة في ختام الشريط الوثائقي أهمية خاصة، باعتباره مدخلا للتأمل في امتداد الذاكرة الوطنية، وربط محطات التاريخ المغربي بالحاضر، فضلا عن توجيه دعوة إلى جمهور هلسنكي لمواصلة اكتشاف المملكة وتاريخها وتشبثها بالسلام وبوحدتها الوطنية.
ولم يقتصر الموعد على عرض الفيلم، بل امتد إلى نقاش جمع المخرج أحمد بوشلكة والراوي تيري أولسون وكاتب السيناريو محمد أحمد كين، حيث عاد المشاركون إلى ظروف نشأة العمل وكيفية بناء سرديته، والاختيارات الفنية التي مكنت من الجمع بين منظور أمريكي وذاكرة مغربية.

وشكلت هذه النقاشات امتدادا لتجربة المشاهدة، إذ أتاحت للحاضرين الاطلاع على تفاصيل العمل الإبداعي الذي حول الرحلة الشخصية والشهادات الميدانية إلى سرد سينمائي، كما فتحت المجال أمام تبادل وجهات النظر بشأن الطريقة التي يمكن من خلالها تقديم الذاكرة التاريخية لجمهور ينتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة.

واختتمت الأمسية بحفل استقبال تخللته طقوس تقديم الشاي بالأقاليم الجنوبية للمملكة، في لمسة ثقافية نقلت الحضور من أجواء الفيلم والنقاش إلى تجربة التعرف على جانب من الموروث المغربي، في لحظة جمعت بين التقاسم والود والتواصل الإنساني.

ومن خلال هذا العرض الأوروبي الأول، وضعت سفارة المملكة المغربية بهلسنكي الذاكرة الوطنية في صلب موعد ثقافي دولي، أتاح تقديم المسيرة الخضراء من زاوية سينمائية وإنسانية، وفتح المجال أمام جمهور الفنلندي لاكتشاف جوانب من تاريخ المغرب وهويته. كما عكست المبادرة، التي واكبها السفير محمد أشكالو، أهمية السينما الوثائقية في نقل الذاكرة إلى الأجيال الصاعدة وتعزيز الحوار بين الثقافات.



