فنلندا بالعربي: يونس إجيري
أكدت الرئيسة الفنلندية السابقة تاريا هالونين أهمية مشاركة الشباب في الحياة الديمقراطية والسياسية، داعية الشباب من أصول مهاجرة إلى الاضطلاع بدور فاعل في تحديد مستقبلهم والمساهمة في القرارات التي تهم المجتمع الفنلندي، وذلك خلال ندوة نظمتها جمعية مرسال ، أمس الاثنين 19 أكتوبر 2026، بالعاصمة هلسنكي، بمشاركة سياسيين وممثلين عن مؤسسات رسمية ودبلوماسية وفعاليات من المجتمع المدني.
وجمعت الندوة، التي احتضنتها ” قاعة أوروبا سالي” بمنطقة كامبي تحت عنوان “من فنلندا إلى الديمقراطية: قصص نجاح ملهمة”، نحو 90 مشاركاً من خلفيات ومؤسسات مختلفة، بينهم أعضاء في البرلمان الفنلندي، وممثلون عن السلطات المحلية، وسفيرة الجمهورية التونسية لدى فنلندا تييهة حجاجي، وممثلون عن سفارتي المغرب وفلسطين، إلى جانب ممثلين عن الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم ومنظمات المجتمع المدني، فضلاً عن طلاب جامعيين وشباب من أصول مهاجرة.
وجاء تنظيم هذا اللقاء في إطار مشروع أصوات المهاجرين من أجل الديمقراطية، الذي تنفذه جمعية مرسال بهدف تعزيز المشاركة الديمقراطية للشباب من خلفيات مهاجرة، وتقريبهم من المؤسسات السياسية وصناع القرار، وتمكينهم من التعبير عن آرائهم والمساهمة في النقاشات المتعلقة بمستقبلهم في فنلندا.
وفي كلمتها الافتتاحية، وجهت هالونين رسالة إلى الشباب، أكدت فيها أن فنلندا بلدهم أيضاً، وأن من حقهم المشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم ومستقبلهم، دون انتظار أن يمنحهم أحد هذا الحق. وشددت على أن أصوات الشباب وتجاربهم تمثل جزءاً من النقاش العام حول مستقبل البلاد، وأن المشاركة في الحياة السياسية والمجتمعية حق ينبغي أن يكون متاحاً للجميع، بصرف النظر عن الأصول والخلفيات الثقافية.

كما تطرقت الرئيسة الفنلندية السابقة إلى أهمية توفير الفرص أمام الشباب لاكتساب الخبرة والاحتكاك بالعمل المؤسساتي، مشيرة إلى حرصها على استقبال متدربين شباب في مكتبها، انطلاقاً من إيمانها بأهمية إشراك الأجيال الجديدة في العمل العام. وشكلت كلمتها مناسبة للتأكيد على ضرورة تعزيز شعور الشباب بالانتماء إلى المجتمع الفنلندي، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة في رسم ملامح مستقبله.
وشهدت الندوة جلسة نقاشية شاركت فيها عضوتا البرلمان الفنلندي إنكا هوبسو، عن حزب الخضر، وفيرونيكا هونكاسالو، عن تحالف اليسار، إلى جانب الناشطة في المجتمع المدني ميليس آري غورهانلي، ونعيمة العيساوي، عضوة مجلس مدينة فانتا عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وتولى إدارة النقاش الشاب إسماعيل بن علا، أحد المشاركين في أنشطة جمعية مرسال ومشروع “أصوات المهاجرين من أجل الديمقراطية”.

وتناولت الجلسة عدداً من القضايا السياسية والاجتماعية التي تشغل الشباب في فنلندا، من بينها العنصرية وخطاب الكراهية والتطرف والاستقطاب المجتمعي، فضلاً عن الانتخابات البرلمانية المرتقبة سنة 2027، والتحديات التي تواجه الشباب من أصول مهاجرة في الوصول إلى مواقع التأثير والمشاركة في المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية.

كما ناقش المشاركون تداعيات التخفيضات الحكومية في تمويل منظمات المجتمع المدني، وما قد تطرحه من تحديات أمام الجمعيات العاملة في مجالات المساواة والاندماج وتعزيز المشاركة المجتمعية، خصوصاً المنظمات التي تقدم أنشطة وخدمات لفئات تعاني ضعف التمثيل في الحياة العامة.

وخلال النقاش، انتقدت النائبة فيرونيكا هونكاسالو التوجهات السياسية للحكومة الفنلندية الحالية، ووصفتها بأنها من أكثر الحكومات ميلاً إلى اليمين في تاريخ فنلندا الحديث، وذلك في سياق حديثها عن التحولات السياسية وانعكاساتها على المساواة وحقوق الإنسان ودور المجتمع المدني.
وأتاح اللقاء للشباب الحاضرين فرصة طرح أسئلتهم مباشرة على المشاركات، ومناقشة الصعوبات التي تواجههم في المشاركة السياسية والمجتمعية، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن سبل تعزيز الثقة بالمؤسسات الديمقراطية وتوسيع حضور الفئات المختلفة في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، قدمت ساندرا طوطح، المديرة التنفيذية لجمعية مرسال، عرضاً حول رسالة الجمعية وأهدافها في مجالات المساواة والاندماج والمشاركة المجتمعية، مستعرضة أبرز أنشطتها ومشاريعها المحلية والأوروبية، ودورها في بناء جسور التواصل بين المجتمعات والمؤسسات الفنلندية.
وأكدت طوطح أهمية تجاوز المقاربة التي تنظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد مستفيدين من الخدمات والأنشطة، نحو إشراكهم شركاء فاعلين في تطوير المجتمع وصناعة التغيير. ويعكس هذا التوجه، بحسب طبيعة المبادرات التي تنفذها الجمعية، الرهان على قدرات الشباب في اقتراح الحلول والمساهمة في تطوير البرامج والمشاريع التي تستجيب لاحتياجاتهم وتطلعاتهم.

من جهتهم، قدم شباب مشاركون في مشروع أصوات المهاجرين من أجل الديمقراطية عرضاً حول تجاربهم وأنشطتهم، تطرقوا خلاله إلى الزيارات التي قاموا بها لمؤسسات ديمقراطية في فنلندا وأوروبا، واللقاءات التي جمعتهم بصناع القرار، فضلاً عن المعارف والمهارات التي اكتسبوها من خلال المشاركة المباشرة في هذه التجارب.
وسلط العرض الضوء على دور المشروع في تعزيز ثقة الشباب بأنفسهم، وتطوير مهاراتهم في الحوار والتعبير عن آرائهم، وتعريفهم بآليات عمل المؤسسات السياسية وسبل المشاركة في القرارات على المستويين الوطني والأوروبي.

ولم تقتصر مشاركة الشباب على الحضور والمساهمة في النقاشات، بل امتدت إلى التخطيط للندوة وإعداد محتواها وتنظيمها وتوثيقها إعلامياً، في تجربة منحتهم مسؤوليات عملية في مختلف مراحل الفعالية.
وتولى إسماعيل بن علا إدارة الجلسة الحوارية، بمشاركة كارنيليا محمد ونغوين فو هونغ نغوك ومو عواشرة في فريق إعداد المحتوى، فيما اضطلعت داليا ديانا أرباك ويونس الشيخ خليل بمهام الإعلام والتصوير. وتكلفت أماني الرحال وآدم الرحال بالاستقبال والتسجيل، بينما تولت ناتالي طوطح التنظيم والتنسيق، وأشرف مصطفى حيدر على الضيافة.

وعكست هذه المشاركة توجهاً نحو تعزيز التعلم بالممارسة وإتاحة فرص حقيقية أمام الشباب لتطوير مهاراتهم القيادية والتنظيمية والإعلامية، فضلاً عن إبراز قدرتهم على العمل الجماعي في بيئة متعددة الثقافات، والتواصل مع ممثلي المؤسسات السياسية والرسمية والمجتمع المدني.
كما أتاح تنوع المشاركين فرصة لتبادل التجارب بين الشباب والسياسيين والعاملين في المؤسسات العامة، وبحث إمكانات التعاون بين الجمعيات والجهات المعنية بقضايا الشباب والاندماج والمساواة والمشاركة الديمقراطية. واختتمت الندوة بلقاءات تعارف وتواصل أتاحت للمشاركين بناء علاقات جديدة وتبادل وجهات النظر بشأن فرص التعاون مستقبلاً.

وتسلط هذه المبادرة الضوء على أهمية توفير فضاءات للحوار المباشر بين الشباب وصناع القرار، خصوصاً في ظل النقاشات المرتبطة بالتمثيل السياسي ومكافحة التمييز وخطاب الكراهية، ودور المجتمع المدني في توسيع المشاركة الديمقراطية.
ومن خلال مشروع “أصوات المهاجرين من أجل الديمقراطية”، تواصل جمعية مرسال عملها على تعزيز مشاركة الشباب من خلفيات متنوعة في الحياة العامة الفنلندية، وتقوية صلتهم بالمؤسسات الديمقراطية، انطلاقاً من مقاربة تقوم على اعتبارهم شركاء في بناء المجتمع والمساهمة في تحديد مستقبله، وليس مجرد فئة مستهدفة بالأنشطة والخدمات.



