فنلندا بالعربي من هلسنكي
حذّر الناشط الجمعوي إبراهيم أوباموح من تداعيات تراجع الثقة الاجتماعية وتزايد الضغوط الاقتصادية على الشباب والأسر في فنلندا، داعياً إلى استخلاص الدروس من الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، وتعزيز سياسات الاندماج والمساواة وتكافؤ الفرص، تفادياً لاتساع مظاهر الإقصاء الاجتماعي بين الأجيال الجديدة.
وأوضح أوباموح، في منشور نشره الاثنين، على منصة الفايسبوك، أن ما يجري في فرنسا يطرح تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات التعليمية والاجتماعية على الاستجابة لتطلعات الشباب، معتبراً أن الاحتجاجات، بصرف النظر عن تفاصيلها، تستدعي الانتباه إلى أثر السياسات العمومية في الفئات الشابة، خصوصاً عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع الشعور بالتهميش وضعف فرص المستقبل.
وأكد الناشط الجمعوي، الذي يتحدث من واقع إقامته في فنلندا، أن المقارنة بين البلدين لا تعني توقع تكرار السيناريو الفرنسي في المجتمع الفنلندي، وإنما تهدف إلى التنبيه إلى عوامل قد تؤدي، إذا تراكمت، إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات وتوسيع الفوارق الاجتماعية.
وأشار أوباموح إلى أن فنلندا تتمتع برصيد مهم من الثقة في مؤسساتها، وبنظام تعليمي يقوم على المساواة وتكافؤ الفرص، غير أنه يرى أن هذا الرصيد يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل السياسات التقشفية والتغييرات التي تطال منظومة الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، لفت إلى أن تقليص بعض أشكال الدعم الاجتماعي قد ينعكس بصورة أكبر على الأسر ذات الدخل المحدود، خاصة عندما تتزامن عدة إجراءات في وقت واحد، بما قد يزيد من صعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية ويؤثر في فرص الأطفال والشباب.
كما أثار أوباموح مسألة ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، مشيراً إلى أن عدد الباحثين عن عمل ممن تقل أعمارهم عن 25 سنة بلغ، وفق الأرقام التي أوردها في منشوره، 48 ألفاً و300 شخص في يونيو 2026، بزيادة قدرها 15 في المائة خلال عام واحد.
واعتبر أن صعوبات الولوج إلى سوق العمل، إلى جانب الهشاشة الاجتماعية في بعض الأحياء، تستدعي تعزيز التدخلات الوقائية وتوفير فرص حقيقية أمام الشباب، محذراً من أن غياب الدعم والتأطير قد يجعل بعض الفئات أكثر عرضة للاستقطاب من قبل العصابات أو الجماعات المتطرفة.
وتوقف المنشور أيضاً عند التغييرات التي عرفتها شروط الحصول على الجنسية والإقامة الدائمة وبعض المساعدات الاجتماعية في فنلندا، معتبراً أن تراكم المتطلبات القانونية واللغوية والمالية قد يبعث برسائل سلبية لدى بعض المقيمين، حتى عندما يكون الهدف المعلن هو تشجيع العمل وتسريع الاندماج.
وفي مقابل إقراره بحق الحكومة في وضع سياسات تهدف إلى تعزيز الاندماج والمشاركة في سوق العمل، شدد أوباموح على ضرورة التمييز بين تشجيع تعلم اللغة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي من جهة، وتقليص المساعدات دون توفير بدائل عملية كافية من جهة أخرى.
وأضاف المتحدث، أن اشتراط إتقان اللغة الفنلندية أو السويدية يمكن أن يكون جزءاً من مسار الاندماج، شريطة توفير دورات لغوية متاحة ومسارات واضحة للتكوين المهني والعمل، محذراً من أن غياب هذه الشروط قد يؤدي إلى تعميق الهشاشة بدلاً من معالجة أسبابها.
وحظي وضع أبناء الأسر المهاجرة بحيز مهم في طرح الناشط الجمعوي، الذي نبه إلى أن تجارب الأطفال داخل المدارس تؤثر في علاقتهم بالمجتمع والمؤسسات مستقبلاً. مشيرة، إلى أن التنمر والشعور بعدم الأمان وضعف الانتماء قد تترك آثاراً طويلة الأمد على الأجيال الجديدة، خصوصاً عندما يشعر الأبناء بأن خلفيات أسرهم تشكل عائقاً أمام الاعتراف بهم ومشاركتهم الكاملة في المجتمع.
ودعا أوباموح صناع القرار إلى تقييم الأثر التراكمي للإجراءات الاقتصادية والاجتماعية على الأطفال والشباب قبل اعتمادها، وتعزيز الدعم المدرسي، بما يشمل تعليم اللغة الفنلندية للناطقين بلغات أخرى، وتوفير الأخصائيين الاجتماعيين، وتوجيه موارد إضافية إلى المدارس الموجودة في المناطق التي تواجه صعوبات اجتماعية واقتصادية.
كما شدد على أهمية اعتماد خطاب سياسي يتناول قضايا الهجرة والاندماج بصراحة، من دون تصوير المقيمين باعتبارهم عبئاً أو تهديداً، مع ضرورة الاستماع إلى الشباب وإشراكهم في النقاشات المتعلقة بمستقبلهم.
وفي المقابل، دعا أبناء الجاليات المقيمة في فنلندا إلى تحمل مسؤولياتهم في مسار الاندماج، من خلال تعلم اللغة، وتعزيز فرص العمل، ومتابعة المسار الدراسي للأبناء، والمشاركة في الحياة المدنية عبر الجمعيات ومجالس المدارس والانتخابات المحلية بالنسبة إلى من تتوفر فيهم شروط التصويت.
وأكد أوباموح، أن رفض التمييز ينبغي أن يقترن برفض العنف والانغلاق على الذات، معتبراً أن الاندماج مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والمجتمع والمقيمين، وأن بناء الثقة يتطلب التزاماً متبادلاً واحتراماً للحقوق والواجبات.
وخلص أوباموح إلى أن فنلندا ما تزال تملك فرصة لمعالجة التحديات الاجتماعية قبل تفاقمها، داعياً إلى حماية الثقة بالمؤسسات وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والأطفال، باعتبار أن الوقاية من الإقصاء أقل كلفة من معالجة تداعياته بعد اتساعه.


