فنلندا بالعربي: يونس إجيري
تشهد فنلندا تحولًا ديموغرافيًا متواصلًا مع تزايد حضور السكان من أصول أجنبية، في وقت لم تعد فيه الهجرة مرتبطة فقط بالقادمين الجدد، بل أصبحت تنتج جيلًا جديدًا وُلد داخل البلاد ونشأ في مدارسها ومجتمعها، ما يجعل التنوع السكاني جزءًا متزايد الأهمية من مستقبل فنلندا.
وبحسب أحدث بيانات هيئة الإحصاء الفنلندية، بلغ عدد الأشخاص من ذوي الخلفية الأجنبية في البلاد 660 ألفًا و800 شخص في نهاية عام 2025، أي 11.7 في المائة من إجمالي السكان. ومن بين هؤلاء، كان 102 ألف و183 شخصًا مولودين في فنلندا، أي من الجيل الثاني لذوي الخلفية الأجنبية، ليتجاوز عددهم للمرة الأولى حاجز 100 ألف شخص. كما تضاعف عدد أفراد هذا الجيل خلال 11 عامًا، في مؤشر واضح على ترسخ الهجرة داخل البنية السكانية الفنلندية.
ويعكس هذا التطور انتقال المجتمع الفنلندي من مرحلة استقبال المهاجرين إلى مرحلة جديدة أصبح فيها أبناء المهاجرين أنفسهم جزءًا من التركيبة السكانية المحلية منذ الولادة. وينحدر أفراد الجيل الثاني من خلفيات متنوعة؛ وتشير البيانات إلى أن 43.5 في المائة منهم من أصول أوروبية، و32.1 في المائة من أصول آسيوية، و22.1 في المائة من أصول إفريقية. وكانت أكبر مجموعات الجيل الثاني مرتبطة بخلفيات من الاتحاد السوفياتي السابق، تليها الصومال ثم إستونيا.
وفي موازاة ذلك، يبرز الحضور العربي داخل المشهد السكاني المتعدد الثقافات في فنلندا، إذ بلغ عدد الناطقين بالعربية نحو 44,956 شخصًا في نهاية عام 2025. ويضم المجتمع العربي أبناء دول مختلفة، من بينها العراق وسوريا والمغرب ومصر والجزائر وتونس ولبنان والأردن وفلسطين واليمن وغيرها، مع اختلاف واضح في أحجام هذه الجاليات ومسارات استقرارها في البلاد.
ولا تعكس أرقام اللغة العدد الحقيقي لجميع العرب المقيمين في فنلندا، لأن الإحصاءات الرسمية تميز بين اللغة والجنسية وبلد الميلاد والخلفية العائلية. فعدد من أبناء الجاليات العربية يحملون الجنسية الفنلندية، كما أن حصول الشخص على الجنسية الفنلندية لا يلغي خلفيته في الإحصاءات المتعلقة بالأصل أو الخلفية.
وتبرز الخصوبة كذلك كأحد العوامل التي تساهم في تشكيل الخريطة السكانية الجديدة. فقد بلغ معدل الخصوبة الإجمالي للنساء من ذوي الخلفية الأجنبية 1.39 طفل للمرأة في عام 2024، مقابل 1.23 طفل للمرأة من ذوي الخلفية الفنلندية. ومع ذلك، تشير هيئة الإحصاء إلى أن الفارق بين المجموعتين تراجع على المدى الطويل، ما يعني أن معدلات الإنجاب لدى السكان من أصول أجنبية ليست ثابتة، بل تتغير مع مرور الأجيال والاستقرار في المجتمع الفنلندي.
وتسجل بعض المجموعات ذات الخلفية الأجنبية معدلات خصوبة أعلى من المتوسط، وهو ما يجعلها جزءًا من النقاش المتعلق بالمستقبل الديموغرافي لفنلندا، التي تواجه في المقابل انخفاضًا عامًا في معدلات الإنجاب. وقد بلغ معدل الخصوبة الإجمالي في البلاد 1.30 طفل للمرأة عام 2025، فيما بلغ عدد المواليد 45,832 مولودًا خلال العام نفسه.
ويكتسب الجيل الثاني أهمية خاصة في هذا السياق، لأن أبناء الأسر ذات الأصول الأجنبية لا ينشؤون بالضرورة ضمن المسار نفسه الذي عاشه آباؤهم، بل يدخلون المدارس الفنلندية منذ سنواتهم الأولى، ويتحدث كثير منهم اللغة الفنلندية أو السويدية، ويدخلون لاحقًا الجامعات وسوق العمل، فيما يحتفظون في الوقت ذاته بروابط ثقافية وعائلية مع بلدان أصولهم.
وتتركز نسبة مهمة من السكان ذوي الخلفية الأجنبية في منطقة أوسيما، التي تضم هلسنكي وإسبو وفانتا، حيث أصبح التنوع السكاني أكثر حضورًا في المدارس وأماكن العمل والأحياء السكنية والأنشطة الثقافية والاقتصادية. وتشير هيئة الإحصاء إلى أن شخصًا من بين كل خمسة مقيمين في أوسيما كان من ذوي الخلفية الأجنبية في نهاية عام 2025.
ولا تقتصر الجاليات العربية والأجنبية في فنلندا على سوق العمل أو الهجرة، بل تضم أطباء ومهندسين وأكاديميين وباحثين وطلبة ورجال أعمال وعاملين في التكنولوجيا والصحة والصناعة والخدمات، إلى جانب أسر استقرت في البلاد منذ سنوات طويلة وأصبح أبناؤها جزءًا من المجتمع الفنلندي.
كما أن منح الجنسية الفنلندية يسهم تدريجيًا في تغيير الصورة الإحصائية للجاليات، إذ حصل 14,168 شخصًا من المقيمين الأجانب بشكل دائم في فنلندا على الجنسية الفنلندية خلال عام 2025، وكان العراقيون أكبر مجموعة من حيث عدد الحاصلين على الجنسية، بواقع 1,960 شخصًا، يليهم السوريون بـ1,282 شخصًا.
وهكذا، ترسم الأرقام الرسمية ملامح مجتمع فنلندي أكثر تنوعًا، لا تقاس فيه الهجرة فقط بعدد القادمين من الخارج، وإنما أيضًا بعدد الأطفال والشباب الذين وُلدوا داخل البلاد وينتمون إلى خلفيات متعددة. ومع تجاوز عدد ذوي الخلفية الأجنبية المولودين في فنلندا حاجز 100 ألف شخص، تبدو البلاد أمام مرحلة ديموغرافية جديدة يصبح فيها الجيل الثاني والجاليات العربية والأجنبية جزءًا متزايد الحضور في مستقبل المجتمع الفنلندي.


