فنلندا بالعربي: يونس إجيري
دعا الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب الدبلوماسيين وسفراء بلاده إلى التحلي بمزيد من الجرأة والمبادرة والعمل على تعزيز نفوذ فنلندا في الساحة الدولية، مؤكدا أن بلاده لا تستطيع أن تكتفي بدور المتفرج في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي.
جاء ذلك في كلمة ألقاها ستوب خلال الاجتماع السنوي لرؤساء البعثات الدبلوماسية في العاصمة هلسنكي، يوم الثلاثاء، حيث استعرض ملامح السياسة الخارجية والأمنية الفنلندية في مرحلة وصفها بأنها تشهد تغيرات عميقة في طبيعة العلاقات الدولية.
وقال ستوب، إن فنلندا، باعتبارها دولة صغيرة، تدرك أن قوتها محدودة، ولذلك يجب عليها أن تعمل باستمرار على تعظيم تأثيرها، موضحا أن تحقيق ذلك يعتمد على شبكة قوية من العلاقات الثنائية، إلى جانب المشاركة الفاعلة في المؤسسات الدولية.
ووضع الرئيس الفنلندي حلف شمال الأطلسي “الناتو” والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في صدارة الأدوات التي تستخدمها بلاده لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها، مشددا على أن هذه المؤسسات ليست مجرد منصات للاجتماعات، وإنما مصادر للقوة بالنسبة إلى الدول الصغيرة.
وأكد ستوب، أن عضوية فنلندا في الناتو فتحت مرحلة جديدة في سياسة البلاد الدفاعية، مشيرا إلى أن هلسنكي تعمل حاليا مع حلفائها على بناء قدرات دفاعية مشتركة وتعزيز الردع.
ودعا ستوب أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها ودفاعها، في ظل التغيرات التي طرأت على السياسة الأمريكية، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة الحفاظ على الروابط عبر الأطلسي وتجنب انفصال أوروبا عن الولايات المتحدة.
وأشار الرئيس الفنلندي إلى أن أوروبا تحتاج إلى قدرات جديدة وثقافة استراتيجية أكثر تطورا، مؤكدا أن بناء دفاع أوروبي أقوى لا يعني استبدال القدرات الأمريكية، وإنما تعزيز قدرة الأوروبيين على التحرك وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
وفي حديثه عن الاتحاد الأوروبي، دعا ستوب إلى اعتماد “تكامل مرن” يسمح بتعزيز التعاون الأوروبي والاستجابة بسرعة أكبر للتحديات. وقال إن أوروبا تحتاج إلى قوة اقتصادية وقدرة سياسية ودفاعية تمكنها من حماية مصالح مواطنيها وتعزيز استقلالها.
كما تطرق إلى مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة، محذرا من تراجع فعالية المنظمة في وقت يشهد فيه العالم تصاعدا في الصراعات والحروب.
وأكد ستوب، أن فنلندا لن تتخلى عن النظام الدولي القائم على القواعد، مشددا على أن القانون الدولي وسلامة أراضي الدول وحقوق الإنسان تظل ركائز أساسية للسياسة الخارجية الفنلندية. مشيرا إلى أن فنلندا بدأت حملتها للحصول على مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي، مؤكدا أن بلاده تستطيع التأثير رغم صغر حجمها من خلال الدبلوماسية وبناء التحالفات وطرح المبادرات.
وفي ما يتعلق بأوكرانيا، أكد ستوب أن دعم كييف سيظل أولوية في السياسة الخارجية والأمنية الفنلندية، موضحا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي شدد خلال لقاء ستوب في كييف على حاجة بلاده إلى دعم إضافي في مجالات الدفاع الجوي والطاقة والتمويل.
أما العلاقات مع روسيا، فقال الرئيس الفنلندي إن روسيا “ستظل جارة” لفنلندا، لكنه أكد أن مستقبل العلاقات بين البلدين سيعتمد على أفعال موسكو. مضيفا،أن الحدود بين فنلندا وروسيا أصبحت حدودا بين حلف الناتو وروسيا، معربا عن أمله في أن يأتي وقت يمكن فيه استعادة علاقة فاعلة بين البلدين كجارتين.
وفي ختام كلمته، حدد ستوب ثلاثة أهداف رئيسية للسياسة الخارجية والأمنية الفنلندية، تتمثل في حماية المصالح والأمن الوطنيين، وتحمل المسؤولية الأوروبية، وتعزيز النفوذ على المستوى العالمي.
ووجه رسالة مباشرة إلى الدبلوماسيين الفنلنديين، داعيا إياهم إلى عدم الاكتفاء بدور المنفذين أو المراقبين، بل التحرك بجرأة، ورؤية الصورة الأوسع، وطرح الأفكار والمبادرات، وجمع الأطراف، والاستفادة من الخبرات الفنلندية لتعزيز تأثير البلاد.
وشدد ستوب على أن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس بعدد الأنشطة أو الاجتماعات، وإنما بحجم التأثير الذي تحققه، مؤكدا أن الدبلوماسية أصبحت شكلا من أشكال الدفاع الوطني في عالم تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والأمن بصورة متزايدة.


