يونس إجيري من هلسنكي
أكدت وزيرة المالية الفنلندية ريكا بورا أن على أوروبا تعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها، مع الحفاظ على التحالف عبر الأطلسي وعدم السعي إلى بناء بديل مصطنع للولايات المتحدة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
جاء ذلك في كلمة ألقتها بورا خلال مؤتمر السفراء الفنلنديين لعام 2026، حيث تناولت تطورات الحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقات الأوروبية الأمريكية، وصعود الصين، والتحولات السياسية في أوروبا، إلى جانب الاقتصاد الفنلندي والذكاء الاصطناعي وأولويات الاتحاد الأوروبي.
وقالت بورا إن الحرب الروسية في أوكرانيا ما تزال مستمرة، مؤكدة أن هدف فنلندا يتمثل في تحقيق سلام يضمن سيادة أوكرانيا وقدرتها على الدفاع عن نفسها، دون مكافأة روسيا على عدوانها العسكري بطريقة قد تجعل اندلاع حرب جديدة أكثر احتمالًا.
وفيما يتعلق بالولايات المتحدة، أشارت الوزيرة إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تبنت خلال ولايته الثانية تحولًا كبيرًا في السياسة الخارجية والأمنية تجاه أوروبا، الأمر الذي أحدث صدمة لدى العديد من الدول الأوروبية. لكنها حذرت في الوقت نفسه من خلق مواجهة غير ضرورية بين الأوروبيين والأمريكيين، مؤكدة أن الولايات المتحدة ما تزال دولة حرة وديمقراطية تربطها بأوروبا جذور ثقافية مشتركة.
ورأت بورا أن أوروبا بحاجة إلى زيادة قدرتها الدفاعية بشكل كبير، لكنها لا تستطيع بناء بديل حقيقي للقدرات الأمريكية، مشيرة إلى أهمية القدرات الأمريكية في مجالات النقل العسكري الاستراتيجي والاستخبارات والأقمار الصناعية والدفاع الصاروخي والصناعة الدفاعية والردع النووي.
وحذرت الوزيرة من أن تتجه أوروبا نحو تقارب غير محسوب مع الصين، داعية إلى التعامل مع بكين بحذر بسبب ما وصفته بالمخاطر المرتبطة بسياساتها الاقتصادية والجيوسياسية. كما أشارت إلى الدور الصيني في دعم القدرات الصناعية والعسكرية الروسية، معتبرة أن أوروبا ينبغي أن تعزز شراكاتها العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية مع اليابان وكوريا الجنوبية.
وتناولت بورا التحولات السياسية داخل أوروبا، مشيرة إلى تراجع دعم الأحزاب التقليدية منذ أزمة الهجرة عام 2015 وصعود الأحزاب المنتقدة للهجرة والاتحاد الأوروبي في عدد من الدول. واعتبرت أن هذه التحولات ترتبط، من بين عوامل أخرى، بالنقاشات حول الهجرة والتماسك الاجتماعي ومستقبل دولة الرفاه.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكدت الوزيرة ضرورة استفادة فنلندا من إمكانات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، مشيرة إلى أن تأثيره الأهم في بلد يعاني من شيخوخة السكان يمكن أن يتحقق من خلال زيادة الإنتاجية.
وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه في الصناعات الميكانيكية والغابات والصناعات الكيميائية والإلكترونيات لتحسين الإنتاج والصيانة ومراقبة الجودة واستهلاك الطاقة والتصميم وإدارة سلاسل التوريد. كما يمكن أن يمنح الشركات الفنلندية ميزة تنافسية في تطوير البرمجيات من خلال خفض تكاليف التطوير.
وفي الشأن الأوروبي، قالت بورا إن مفاوضات الإطار المالي متعدد السنوات للاتحاد الأوروبي “MFF” ستكون تحديًا مهمًا لفنلندا، مشددة على ضرورة أن تراعي الميزانية الأوروبية المقبلة الوضع الأمني الجديد ومسؤولية الدول الأعضاء الواقعة على الحدود الشرقية للاتحاد، إلى جانب أهمية الحفاظ على حيوية المناطق الحدودية مع روسيا.
وفي ختام كلمتها، وجهت وزيرة المالية الفنلندية الشكر إلى وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي، مؤكدة أهمية الاستمرارية والقدرة على التحرك بسرعة في ظل التغيرات التي يشهدها النظام الدولي.
وأعربت بورا عن أملها في أن تقود الاضطرابات الحالية إلى توازن جديد في السياسة الدولية، يمكن للديمقراطيات الغربية وحلفائها ودول الجنوب العالمي والدول السلطوية التعايش معه، مؤكدة أن فنلندا ستواصل تقديم إسهامها من أجل تحقيق نظام دولي مستقر وسلمي.


