الرئيسية / ركن شيخ مصطفى الشنضيض / حكم إعطاء الآباء الـزكاة للأولاد وعكسه

حكم إعطاء الآباء الـزكاة للأولاد وعكسه

بقلم مصطفى بن عبد الرحمن الشنضيض

هل يجوز للرجل أن يعطي الزكاة لابنته المطلقة وعندها أولاد أو لابنه الشاب الكبير البالغ المحتاج، في المذهب المالكي؟ جزاك الله خيرا.

الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

أجمع العلماء على عدم جواز إعطاء الوالد لولده الفقير، في حال وجوب نفقته عليه، إما بموجب الحكم الشرعي الأصلي، وإما بموجب الحكم القضائي التبعي:

– أما بموجب الحكم الشرعي بالأصالة: فقد ثبت بالاستقراء التام لنصوص الكتاب والسنة القولية والعملية، ولآثار الصحابة، وجوب نفقة الوالد على ولده الذي لم يبلغ الحلم بعد، أو أنه بلغ الحلم لكنه مرض مرضا مزمنا يقعِدُه عن التكسب.

– وأما بموجب الحكم القضائي بالتبع، وهو من حكم فيه القاضي بنفقة الوالد على ابنه الذي بلغ معسرا، أو الذي افتقر بعد غنى، أو بلغ ولم يكن قادرا على الكسب، مع ثبوت غنى الوالد وقدرته على إعالته.

= متى تسقط النفقة عن الوالد

تسقط نفقة الآباء على الأولاد، في مذهب الإمام مالك رحمه الله، عن الابن عند البلوغ صحيحا لا مريضا ولا مجنونا، وعن البنت عند تزوجها مع الدخول بها لا قبله.

قال أبو القاسم ابن الجلاب (ت378هـ) في التفريع: “ويجب على الرجل نفقة ولده إن كان فقيرًا لا مال له فينفق على الغلام حتى يحتلم، وعلى الجارية حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، فإذا احتلم الغلام سقطت عن أبيه نفقته، وإذا تزوجت الجارية ودخل بها زوجها سقطت عن أبيها نفقتها، وإن مات عنها زوجها أو طلقها لم تعد ‌النفقة على أبيها، وكذلك إذا بلغ الغلام صحيحًا ثم زَمِنَ وجُن لم تعد ‌النفقة على أبيه”(1).

قال أبو عبيد القاسم بن خلف الجبيري (ت378هـ) في التوسط بين مالك وابن القاسم: “أما قول مالك في الغلام إذا احتلم أن له أن يذهب حيث شاء، فلأن بلوغ الاحتلام مع مقارنة صحة العقل والتمييز له، وسلامة البالغ من الزمانة توجب سقوط النفقة عن الأب.‬ ‫فإذا سقطت نفقة الابن عن أبيه فقد انقطع السبب الذي به كان يتوصل إلى الحجر عليه، وصار أملك بنفسه وبالتصرف في ماله منه، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا”(2 ).‬‬‬‬

= حكم إعطاء الوالد الزكاة لولده

من خرج من حالة وجوب نفقة والده عليه بالشرع أو بالقضاء، جاز لوالده إعطاؤه من مال الزكاة إذا كان فقيرا، أو آل أمره إلى الفقر بعد غنى، أو كان طالبَ علم قادرا على الكسب، أو غلبه الدَّين.

سئل عيسى بن عبد الرحمن السكتاني الرجراجي (ت1062هـ) هل للرجل أن يعطي زكاته لولده البالغ أم لا؟ فأجاب إن إعطاء الزكاة للولد جائز ويكره تخصيصه بذلك والسلام(3 ).

وقال الدردير في الشرح الكبير (ت1201هـ): شارحا قول الماتن(كره له) أي للنائب (حينئذ) أي حين الاستنابة (تخصيص قريبه) أي قريب رب المال، وكذا قريبه هو إن كان لا تلزمه نفقته وإلا منع”(4 ).

وسئل محمد بن أحمد عليش (ت1299هـ): “(ما قولكم) في طالب علم بالغ قادر على الكسب هل يجزئ أباه إعطاؤه زكاة ماله؟، فأجبت بما نصه: الحمد لله، والصلاة، والسلام على سيدنا محمد رسول الله، نعم يجزئ أباه إعطاؤه زكاة ماله لسقوط نفقته عنه ببلوغه قادرا عليه، واستحقاقه أخذها كما تقدم، والله سبحانه، وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم”( 5).

= حكم إعطاء الولد الزكاة للوالد

كما يجوز إعطاء الوالد للولد عند عدم وجوب النفقة من الأول على الثاني، إما بسقوطها ببلوغ الابن، أو بمرضه المُقعِد عن التكسب، وإما بتزوج البنت مع الدخول بها، أو بسقوطها بالحكم القضائي، فكذلك يجوز إعطاء الولد الزكاة لوالده، إذا كان عليه دين، أو كان به فقر خفيف، لأن الفقر الشديد يجعل الولد القادر ملزما بالنفقة على أبيه طيلة الحاجة إلى ذلك، وليس أن يعطى من مال الزكاة فقط.

نقل سيدي خليل (767هـ) في التوضيح عن ابن عبد السلام الهواري (ت734هـ) أنه “يرى أن فقر الأب له حالان: الأولى: أن يضيق حاله ويحتاج لكن لا يشتد عليه ذلك فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة، ولا تلزمه نفقته، بل تبقى ساقطة عن ابنه. والثانية: أن يشتد حاله ويصير في فقره إلى الغاية، وهذا يجب على ابنه أن ينفق، ولا يجوز لابنه أن يدفع له زكاته”(6 )انتهى.

وجاء في فتاوى البرزلي (ت844هـ): أن السيوري سئل “عن أحد الأبوين فقير، وله ولد غني ولم يطلب نفقته منه، أيعطى من الزكاة؟ فأجاب: أنه يعطى من الزكاة، لأنها لا تجب إلا بالحكم، فإذا ترك الطلب، فكأنه لم يكن له ولد، ولو كان على العكس، ففيه نظر على مذهب أشهب وابن القاسم أيضا”( 7).

= التـنزيـل

وعليه فيجوز إعطاء الزكاة للبنت المطلقة الفقيرة، لأنها بطلاقها لم تعد النفقة على أبيها، كما يجوز إعطاؤها للابن المستقل الذي ينفق على نفسه لكنه لا يكفيه ما يكسبه من مال في النفقة على نفسه وعائلته.
والله تعالى أعلم.

والحمد لله رب العالمين
وكتب مصطفى بن عبد الرحمن الشنضيض
يوم الثلاثاء 4 ماي 2021م، الموافق لـ 22 رمضان 1442هـ

——————–
الهوامش:

( 1) التفريع في فقه الإمام مالك، لأبي القاسم ابن الجَلَّاب، 2/112، تحقيق حسين بن حسين الدهماني نشر دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1987م، سحب جديد 2008م.

(2 ) التوسط بين مالك وابن القاسم، تحقيق مصطفى باحو، نشر دار الضياء، طنطا، مصر، الطبعة الأولى، 2005م.

( 3) الأجوبة للفقهية لعيسى بن عبد الرحمن السكتاني، الرجراجي ص71، تحقيق أبو الفضل الدمياطي، نشر مركز التراث الثقافي المغربي، ودار ابن حزم، الطبعة الـأولى، 2011م.

(4) الشرح الكبير على مختصر سيدي خليل 1/777، نشر دار الفكر لطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.

(5 ) فتح العلي المالك لمحمد بن أحمد، عليش، 1/163، نشر دار الفكر لطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، د. ط، 1355هـ.

(6 ) التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، لخليل بن إسحاق تحقيق أحمد بن عبد الكريم نجيب، 2/343، نشر مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى 2008م.

(7 ) نوازل البرزلي أو “جامع مسائل الأحكام” لأبي القاسم البرزلي، 1/565، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، نشر دار الغرب، بيروت، الطبعة الأولى، 2002م. ونقلها القصري بن محمد المختار في نوازله، 1/479، تحقيق أبو الفضل الدمياطي، نشر دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، 2009م. وهو من علماء شنقيط، توفي في النصف الأول من القرن الثالث عشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي