الرئيسية / آراء وأقلام / الساونا، الحمّام الفنلندي

الساونا، الحمّام الفنلندي

كتاب وآراء – أ. د. حسيب شحادة جامعة هلسنكي

يتحدّر الفنلنديون منذ آلاف السنين من آسيا المركزية، عندما أخذت القبائل البدوية بالرحيل نحو الشرق والشمال، ولا يعرف علماء الأجناس إلا القليل عن الفنلنديين قبل القرون الوسطى. تعود بداية حمّام الساونا حيث الاستحمام والاسترخاء إلى أكثر من ألف عام بكثير. تحتلّ “الساونا” منذ القِدم مكانةً مرموقة في الحياة الفنلندية فهي كانت حتّى قبل قرن من الزمان بمثابة البداية والنهاية، فيها أنجبت الفنلندية مولودها وفيها غُسلت جثة المتوفى، وهناك من يقول إنها شبيهة جدًّا بالعقيدة والدين والطقوس. وما زال الغموض يكتنف أصلَ الساونا، فمن جهة معيّنة، يعتبر الفنلنديون أنّها من اختراعهم، في حين أن لشعوب أخرى كالسيبيريين والهنود الحُمر، غرفهمُ الساخنة وطقوس استحمام خاصّة بهم. وهذا النمط من الاستحمام البخاري كان معروفًا للجنس البشري منذ العصر الحجري. وفي البداية كانت الساونا عبارة عن جُحر في الأرض أو زورق خشبي توضع كومة من الحجارة عليهما وتسخّن جيّدا فيُرشّ الماء فيغدو بخارا. كما أنّ السحر والشعوذة صاحَبا هذا الحمّام، ففي القِدم استحمت أفواجٌ ثلاثة، الرجال فالنساء فالجنيّات.

والساونا اليوم في المنازل، أعلى الأماكن حرارة يدخلها المرء طواعية، عبارة عن ثلاث حُجيرات، واحدة لخلع الملابس والتنشيف والارتداء وثانية للاستحمام بالدوش وثالثة حجيرة البخار، والأخيرة تكون معزولة وجدرانها خشبية وتتراوح درجة الحرارة عادة عند الاستحمام ما بين سبعين إلى مائة درجة سالزيوس. يتحمّل الإنسان العادي درجة حرارة تصل إلى 128 لمدة قصيرة بالطبع، وفيها مقاعد خشبية وموقد كهربائي (سخّان) فيه أحجار خاصّة تزن قرابة الخمسة عشرة كيلوغرامًا أو موقد للحطب. وفي هذه الحجيرة فتحتان للتهوية، الواحدة في المصطبة المبلطة والأخرى في السقف بالإضافة إلى فتحة واسعة في أسفل الباب ونافذة صغيرة ونور كهربائي خافت. كما وأنّ وجود المحرّ، الترمومتر أو ميزان الحرارة، معلقاً على حائط الساونا أمر عادي، وفي بعض الأحيان هناك مرْطاب، ميزان لقياس الرطوبة. يدخل المستحمّون، أطفال وشباب ومسنون حجيرة الساونا عراةً كما خلقتهم أمّهاتهم بعد استحمامهم تحت الدوش في الحجيرة السابقة.

يُرش الماء من دلو خشبي أو نحاسي بمغرفة على الحجارة الملتهبة الموضوعة في وعاء معدني فيه أنابيب كهربائية، ويُعدّ هذا الوعاء المسمى بـ kiuas بالفنلندية وهو بمثابة قلب الساونا النابض بالحرارة ومصدر البخار( فسرعان ما يغدو بخاراً لاسعاً يجعل الجسم ينْفَضِخ، يتصبّب عرقًا، وهناك كلمة فنلندية خاصّة لهذا البخار، löyly، ومن شبه المستحيل إيجاد كلمة بديلة لها في لغات أخرى. إنّ جلد الانسان يسخُن بسرعة فبعد حوالي أربع دقائقَ تصل درجة حرارته أربعين درجة سالزيوس، وعندها يتصدّى لذلك الدفاع البدني بواسطة التصبّب عرقًا لتبريد الجلد ويتسارع خفقان القلب لمدّ الجسم بالدم المطلوب، حوالي تسعة إلى عشرة لترات في الدقيقة في حين أن الضخّ العادي يصل إلى ما بين أربعة إلى ستة لترات في الدقيقة. كما وأن هناك عادة لدى الفنلنديين، لا سيّما في فصل الصيف، وهي جلد أجسادهم بحزمة من غُصينات شجر البتولا أو قضبان مورقة ذات الرائحة الزكية أو من غصينات الزيزفون. لمثل هذه الحزمات اسم خاص بالفنلندية,vihta, vasta ويمكن شراؤها خضراء صيفا أو مجفّفة في الأسواق، وقد تملّح للمحافظة على نضارتها، وفي العصر الراهن تُحفظ هذه الحزم أو الضمم الصغيرة في المجمِّد، الفريزر لاستعمالها في المناسبات الهامّة مثل ليلة عيد الميلاد المجيد. غالباَ ما يحتسي الفنلنديون الجعة أثناء هذا الاستحمام وبعده ولا يُستحسن احتساء الكحول قبل الساونا أو خلالها أو بعدها.
بالإضافة إلى النوعين آنفي الذكر للساونا، الكهربائي والحطبي، هناك نوع ثالث أقلّ استعمالاً منهما وهو ساونا الدخان. ومن النصائح للمستحمّ في الساونا ضمن الثقافة الاستحمامية، يمكن التنويه بما يلي: عند خلعك لملابسك اخلع عنك كل المشاكل والرسميات والمنغّصات الحياتية وادخل حجيرة البخار رأسا أو إثر دُشّ لتطهير الجسم والبال معا. لا تدخل الساونا إثرَ تناول الطعام رأسًا بل يجب انتظار ساعة واحدة على الأقلّ ويجب تجنّبِ تناول المشروباتِ الروحية. ومن المحبّذ الاستلقاء على الظهر ورفع الرِجلين فهما قادرتان على تحمّل الحرارة العالية أكثر من الرأس. وبعد الاستحمام لا بدّ من ارتداء ملابس دافئة لتجنّب الإصابة بالزكام. ومن الضروري تناول كمية كافية من السوائل بعد الساونا لتعويض ما فقده الجسم ومن تناول الطعام المملّح لتعويض ما أفرزه البدن من أملاح.
الساونا ليست مكاناً للاستحمام وتنقية جذرية للجسم فقط، إنّها مكان مناسب جدًّا لراحة العقل وشفاء الروح والتأمّل والاسترخاء وعقد الاجتماعات واللقاءات واتّخاذ القرارات الهامّة، إلا أنها ليست بأي شكل من الأشكال لمزاولة الجنس كما قد يعتقد بعض الأجانب. وفي الساونا الكلّ عُراة والكل متساوون وفيها مسحة عميقة من السكينة والصوفية. أضف إلى ذلك كما نوّهنا آنفًا أنّ الساونا قدِ ٱستخدمت حتّى بداية القرن العشرين لإنجاب الأطفال، ويتفاخر الكثيرون حتّى اليوم أنّهم ولدوا فيها. كما وكانت العروس تستحمّ في الساونا قبيل حفلة الإكليل، الزواج. فالساونا مكان جدّ صحيّ معقّم وفيها تتهاوى كلّ الشكليات والرسميات وتتبخّر بتصاعد البخار اللاسع. ودخلها المسنّون ليقضوا نَحْبَهم فيها.

وفي اللغة الفنلندية أقوال مأثورة تعكس بجلاء بعض ميزات الساونا مثل مدى نظافتها وصحيّتها، بما معناه الحرفي: الساونا صيدلية الفقير. وهناك أيضا قول قديم يقول بأنّ على كل انسان أن يتصرّف في الساونا كتصرّفه في الكنيسة، فلا ضجّة أو صراخ أو قَسَم. وأخيرًا وليس آخرًا يُقال بالفنلندية ما فحواه: إن أجمل هنيهة وأروعها بالنسبة للمرأة هي بعد الاستحمام في الساونا. ولا بدّ من الساونا غداةَ أي عيد أو إثر رحلة صيد فهي رمز الراحة والاسترخاء جسديًا ونفسيًا وعقليا. ويقال أيضا إذا كانت الساونا والمشروب الثقيل والأشباح والقار عديمةَ الجدوى في الشفاء فالوضع يصبح ميؤوسًا منه.

وعند الحديث عن السياسة والساونا فلا مندوحةَ من ذكر الرئيس الفنلندي أُرْهو كاليڤا كيكّونن (1986-1900) الذي كان مغرمًا بالساونا، وفيها كان قد اتّخذ العديد من القرارات السياسية الهامّة. إلى جانب ذلك فللساونا حيّز وحُضور لا يُستهانُ بهما في الأدب الفنلندي، إذ أنّها ذُكرت في الكاليڤالا، ملحمة الشعب الفنلندي، وكذلك في الرواية الوطنية الفنلندية المعروفة عالميا، الأشقّاء السبعة بقلم أليكسس كيفي (1834-1872). يقول الشقيق يوهاني في هذه الرواية ما معناه: بيت بدون ساونا أمرٌ لا يُحتمل، منزل بدون ساونا ساخنة وكلب ينبح وديك يصيح وقطّ يموء لا يستحقّ أن يُدعى بيتا. لا غرابةَ بعد هذه الفذلكة أن نشير إلى أن هناك جمعية فنلندية للساونا في هلسنكي في لاوْتاساري أُسست العام 1937، حيث ساونا الدخان ودكاكين متخصّصة بكل ما يمتّ بالساونا بصلة من منتوجات ومستحضرات. ولا شكّ أنّ الساونا رمز الفنلدة الأصيلة وقدِ ازدادت أهميتُها رمزًا ومؤشرًا للهوية الوطنية والثقافية إثر انضمام فنلندا للاتّحاد الأوروبي في مستهل العام 1995. ومن المستحيل ذكر فنلندا بدون ذكر صنوها، الساونا.

تعود جذور ثقافة الساونا إلى المجتمعات الزراعية في العصور الغابرة والمدنية الحديثة لم تقلّل من أهميتها. يُقدّر عدد الساونات في فنلندا، التي يبلغ عدد سكّانها قرابة خمسة ملايين ومائتي ألف نسمة، حوالي مليوني ساونا ويقال إنّ هذا العدد يفوق عدد السيّارات. يستحمّ معظم الفنلنديين في الساونا مرة واحدة على الأقلّ في الأسبوع وعادة يوم السبت. ولا بد من الإشارة إلى أنّ دعوة شخص إلى الساونا تنمّ عن الصداقة المتينة ولا يُستحسن عدم تلبية مثل هذه الدعوة.

وهناك حكاية شعبية فنلندية قديمة عن مزارع استخدم الساونا كي يقلّل من نسبة احتمالاته في الذهاب إلى الجحيم. وهذه الحكاية غالبًا ما تُروى على مسامع الأطفال لحثّهم على الاستحمام بانتظام. وقدِ اعتاد ذلك المزارع الاستحمام في الساونا مرارًا وتكرارًا إلى أن أصبح قادرًا على تحمّل أعلى درجة حرارة ممكنة فيها. وكلّما كانت الساونا حارّةً كلّما تمتّع بالاستحمام وشاع صيت ذلك المزارع بأنّه تمتّع بحرارة فاقت حرارة أيّة ساونا. وفي آخر المطاف، سمع إبليس بقدرة ذلك المزارع الفائقة على تحمّل الحرارة العالية وقام برحلة خاصّة إلى سطح الأرض للقائه. سمعت أنّك مُغرم بحرارة جدّ عالية في الساونا، سأل إبليس. وردّ المزارع عليه بالإيجاب. إذن دعني آخذك إلى مكان حارّ إلى درجة أنّك ستتوسّل إليّ لإخراجك منه، قال إبليس. رافق المزارعُ إبليس فرحًا راضيًا وعند اجتياز بعض أبواب جهنم صرخ إبليس على عفاريته آمرًا إيّاهم بإلقاء المزيد من الحطب والفحم على النار العملاقة المتأججة. وأردف إبليس معلنًا، لدينا اليوم صديق حميم يتوق إلى الحرارة الشديدة الملتهبة. ابتسم المزارع وانحنى لإبليس شاكرًا له كرمه الحاتمي. اشتعلت جهنم اشتعالًا فظيعًا وتفجّرت البراكين القديمة وأخذ الجليد في القطب بالذوبان، أمّا المزارع فابتسم قائلاً: المزيد من النار لو سمحتم. صرخ إبليس مغتاظًا، المزيد من النار واللهب لهذا المزارع الغبي. جحيم إبليس كان جنّةً بالنسبة للمزارع المبتسم والشاكر لمضيفه على الوقت الرائع الذي قضاه عنده في ضيافته.

وأخيرًا وفي لحظة غضب جامح زعق إبليس على المزارع الفنلندي قائلاً له: أخرُج من هنا، لا أريدُ أن أرى سَحْنتك ثانيةً هنا. وهكذا عاد المزارع إلى مزرعته واجمًا كئيبًا مكسور الخاطر إذ فقد حرارة الجحيم الرائعة ولكنّه كان مسرورًا من جهة أخرى إذ أنّه علم أن مصيره مؤمَّن. وهكذا الأطفال الفنلنديون الراغبون في الذهاب إلى جنّة عدن تعلّموا طريقة تجنّب الجحيم.

وقد يسأل سائل، ما الطريقة المثلى للاستحمام الفنلندي هذا، لا سيما في فصل الشتاء حيث قد تصل درجة الحرارة في الخارج في جنوب فنلندا إلى أكثر من عشرين درجة تحت الصفر، وعلى مثل هذا التساؤل خمسة ملايين جواب ونيّف كعدد أبناء الشعب الفنلندي في فنلندا، ومع هذا فإنّ أغلبية الإجابات تنصبّ دون ريب على أنّ الساونا في البيت أو في المصيف على شاطىء البحيرة هي الأفضل، والله أعلم في بلاد الشمال أيضا، كن جميلا تر الوجود جميل.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: هذا المحتوى محمي