كتاب وآراء- رفقة العش
أصبح من المعتاد، بل والمألوف، أن نقرأ يوميًا على منصات التواصل الإجتماعي ومنتديات الجالية العربية في فنلندا قصصًا ومواقف تتكرر بشكل مقلق. قصص تتعلق بعلاقات زوجية مريضة، بسلوكيات منحرفة، بإهمال قانوني وأخلاقي، وبنظرة مهينة تجاه المرأة والكرامة الإنسانية. والغريب، بل الصادم، أن بعض هذه التصرفات لم تعد تثير الرفض لدى الجميع، بل تجد لها من يدافع عنها، يبررها، أو يمررها بلا اعتراض.
كثيرًا ما أقرأ تعليقات أو استفسارات في مجموعات تخص الجالية، وأشعر أن الردود خارجة تمامًا عن السياق الإنساني أو الأخلاقي. أحيانًا أشعر بغثيان حقيقي، ليس فقط لأن الحالات مؤلمة، ولكن لأن ردود الأفعال أكثر إيلامًا.
قرأت مؤخرًا عن امرأة تشكو من سلوك زوجها المنحرف والمريض، سلوك يفرضه عليها بقوله: “أنا متعود أكون هكذا”. لا علاج، لا مراجعة للذات، فقط فرض سلوك مريض على شريكة حياته.
وقرأت عن رجل طلّق زوجته ويسأل عن قوانين النفقة، ويشكك في بنوّة ابنته التي يعيش معها منذ سنوات، وكأن هذه الطفلة أصبحت فجأة “موضوع شك” فقط لأن العلاقة الزوجية انتهت!
وعندما تناولتُ في أحد فيديوهاتي موضوع غلاء المهور، فوجئت بردود من بعض الرجال يتفاخرون بأنهم “مصاحبين فنلنديات” لا زواج، لا التزام ثم يهاجمون النساء العربيات ويتحدثون عن أعراضهن، وكأنهم وحدهم يملكون مفاتيح الطهارة والشرف.
هذه النماذج التي لا تمثل الجالية كلها بكل تأكيد لكنها صارت حاضرة وبقوة، وتفرض نفسها على السطح، حتى بتنا نعيش وسط منظومة من السلوكيات المريضة.
المنظومة هذه خطيرة، لأنها لا تهدد فقط العلاقات الفردية، بل تنسف ثقة المرأة العربية في مجتمعها، وتؤثر سلبًا على الأجيال القادمة، وتسيء لصورة الجالية ككل في المجتمع الفنلندي.
أنا اليوم، كامرأة، لم أعد فقط منزعجة من هذه الظواهر، بل أشعر فعلاً بالقرف والغثيان منها.
في البداية، كنت أحاول أن أتحمل، أن أفهم، أن أبرر بحسن نية.
لكن مع تكرار نفس الأنماط، أدركت أن هناك خللاً حقيقياً، وأن كثيراً ممن يعيشون حولنا يحملون معهم أمراضًا نفسية وسلوكية خطيرة، تحتاج إلى مواجهة لا إلى تطبيع.
والحمد لله، كل الحمد والشكر، أني أنتمي إلى بيتٍ نظيف، إلى عقل نقي، إلى قلب طيب، إلى تربية علّمتني كيف أكون إنسانة قبل أن أكون امرأة، وكيف أتمسك بمبادئي رغم كل ما أراه حولي من انحراف وتشوه أخلاقي.
رسالتي ليست هجومًا على الجالية، بل نداء إنساني حقيقي: لننظف بيوتنا من الداخل، لنواجه الأمراض التي تسكن بيننا، لنحمي أبناءنا وبناتنا من هذا الانحدار. الجالية العربية في فنلندا تستحق صورة أرقى، وتستحق نساء ورجالاً أنقياء يرفعون الرأس بدل أن يدفنوه في الوحل.

