الرئيسية / الجالية العربية / ليلى رزوق.. قصة محاربة مقدامة في بلاد الفايكينغ

ليلى رزوق.. قصة محاربة مقدامة في بلاد الفايكينغ

بقلم وهيبة الرابحي “و م ع”
 
قبل قرابة اثنتي عشر سنة، توجهت ليلى رزوق روسو إلى بيرغن سعيا خلف مسار حافل بالإثارة لم توفره لها وتيرة الحياة اليومية العادية. ودون أن تعرف ما هي الخطوة التالية التي ستقطعها، اعتمدت هذه المرأة على نفسها، خارج المسارات المعروفة، في مواجهة وحدة عميقة وبرد شتاء نرويجي قارس.

هذه المرأة، التي تبلغ اليوم 36 سنة وأم لطفلين، هي بكل تأكيد موضع تقدير من قبل نظرائها النشطاء الجمعويين الذين يكرسون أوقاتهم لفائدة إدماج شباب الأقليات. وهي قضية -كما تقول- أصبحت تسكن جوارها.

“لنقل إنه، انطلاقا من تجربتي، أردت أن أفهم لماذا كان من الصعب على الشباب المنحدرين من أباء مهاجرين أن يشعروا بأنهم مندمجين في مجتمع أجنبي. لست الأولى في ذلك ولا الأخيرة. كثيرون في الواقع يجدون صعوبة في التنقل بين ثقافتين: تلك التي نشؤوا فيها وثقافة بلدهم الأصلي”، وفق ما أسرت به ليلى في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء.

السبب في ذلك هو أن هذه السيدة الشابة، ذات الشخصية المقدامة والمغامرة، ولدت من أبوين مغربيين في ضواحي رانس. وبعبارة أخرى، كان تحدي الاندماج مزدوجا بالنسبة إليها، أولا في فرنسا ثم في النرويج.

ومنذ وصولها إلى بيرغن، المدينة التي تعرف كبوابة لمنطقة المضايق النرويجية، أظهرت ليلى قدرة فريدة على تجاوز كل العقبات التي اعترضت سبيلها، متشبعة بحماس متنام لتحقيق أعز أحلامها: تأكيد النجاح الذاتي أمام الأقران وإشاعة القيم الكونية التي تؤمن بها، دون أن تحيد قيد أنملة عن هويتها الأصلية. لكن المهمة لم تكن سهلة للغاية، خاصة عندما يعيش المرء بعيدا عن حضن العائلة.

وتقول في هذا الصدد، بعينين متقدتين عزيمة وإصرار، وبنفس الحماس الذي اتقد منذ اثني عشر سنة: “في البداية شعرت بالوحدة الشديدة، كان من الصعب علي الاندماج في مجتمع بارد تماما. كان أمامي خياران، إما أن أحبط، أو أضاعف الجهد في العمل وأضع أهدافا بعيدة”.

“إن القيم النرويجية مثل الفردانية والليبرالية تتناقض في كثير من الأحيان مع الثقافة المجتمعية للعديد من بلدان منشأ المهاجرين”، حسب ما فسرت ليلى، التي لم تمنعها النزعة الفردية بالنرويج التي تصفها ب”الباردة والأنانية”، من تطوير شبكة واسعة من العلاقات والاشتغال ضمن أعمال ذات طابع موسمي.

بعد سنتين من قدومها، تمكنت من القراءة والتواصل باللغة النرويجية بعد دورات تكوينية مكثفة، إلى جانب العربية والفرنسية والإنجليزية التي تتقنها جميعا. ثم قررت بعد ذلك العودة إلى فصول المدرسة والانضمام إلى معهد للتمريض بعد التخلي عن خطتها المهنية في مجال السياحة، التي اعتبرت أنها ذات توجه “تجاري للغاية” بالنسبة لذوقها.

وفي الوقت نفسه، انكبت ليلى بنشاط كبير على المجال الجمعوي، جاعلة من تحقيق الاندماج شعارا لها. وفي أبريل 2016، قررت هذه المحاربة الجسورة إعطاء دفعة لمسيرتها المهنية، من خلال تأسيس جمعية “الفراشة”، التي تعمل على دعم الفتيات (من 17 إلى 25 سنة) المنحدرات من أسر مهاجرة، وتستقبل حوالي 400 زيارة كل عام، خصوصا القادمين من دول إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

“+الفراشة+ هي خلاصة مسار اندماجي الشخصي في النرويج” بذلك أجابت، والابتسامة تعلو محياها، على سؤال حول أسباب إنشاء هذه الجمعية بهذه الدولة الاسكندنافية، معتبرة أن حماس الشباب وروح التمرد ساهمت في ذلك بقسط غير يسير.

وتقول إن الهدف هو تقديم المشورة للفتيات لإرشادهن في اتخاذ قرارات مسؤولة، مضيفة أن الأمر أيضا يتعلق بتسهيل اندماجهن قدر المستطاع من خلال شرح القواعد الاجتماعية في العمل والمدرسة.

وبالإضافة إلى ذلك -تتابع ليلى- هناك أنشطة أخرى بما في ذلك دورات تعلم اللغة النرويجية وتنظيم نقاشات حول مجموعة من المواضيع مثل الصحة النفسية، ونمط الحياة، وحقوق المرأة وغير ذلك.

وأضافت “بمجرد أن تتمكن الفتاة من آليات فهم النظام الاجتماعي، تصبح مثل الفراشة”.

وتضم الجمعية حوالي عشرة أعضاء، بالإضافة إلى عدد من المتطوعين. وبعد عامين ونصف من العمل التطوع، تلقت المنظمة دفعة مالية من بلدية بيرغن ومديرية التكامل والتنوع. وهو خبر كان له وقع طيب على قلب المحاربة. 
مناضلة حتى النخاع، حكيمة وملتزمة، تفيض ليلى بالكرم وتزيد من وتيرة الجهود بفضل صفاتها المتميزة في الاستماع والتعاطف . ”الفراشة” ليست سوى تجسيد لأفعال المرأة الشابة في خدمة إدماج المهاجرين الشباب. وھﻲ الآن ﻣؤﺳﺳﺔ ﻣﺷﺎرﮐﺔ ﻟﻣﺷروع دﻋم ﺣﻣﺎﯾﺔ الأطفال اﻟﺻﻐﺎر ﻟﻣﮐﺎﻓﺣﺔ اﻟسيطرة اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ اﻟﺳﻟﺑﯾﺔ. كما تعمل أيضا مديرة برنامج إرشاد في بيرغن لتطوير توظيف المهنيين الشباب المنحدرين من الأقليات.

ومنذ يونيو 2018، أصبحت عضوا في لجنة الإدماج في الحكومة النرويجية، وهي مهمة ترى فيها “تقديرا كبيرا” لشخصها. وأوضحت أن مجموعة الخبراء هذه، المكونة من 13 شخصا من أصول وتجارب ومدن مختلفة، تجتمع ثلاث مرات في السنة بهدف المساهمة في تحسين سياسة الاندماج في البلاد وتقديم المشورة لوزارة الاندماج.

اليوم، أصبحت ليلى وجها بارزا في جهود الاندماج في بيرغن. وخلال محاورتها، لا يمكن للمرء إلا أن يطرق بسمعه ويقدر حجم الحماس وعمق العزيمة وقوة الشخصية التي تطبع حديثها.

ولكن ما هو سر هذه القوة التي تتحلى بها ليلى اليوم؟ “كل الخيارات التي قمت بها حتى الآن، والتي فكرت فيها جيدا، هي ما تمكنني من حسن التقدير”، أجابت بهدوء، قبل أن تواصل “هذه القوة تدفعني دائما للمضي قدما، لتعلم أشياء جديدة ولاكتشاف الثقافات الأخرى”. 

وأضافت “أنا فخورة بهويتي، وبجميع القيم التي تعلمتها من والداي من كرم وحسن ضيافة وحب واحترام، ولكن أيضا تلك التي ورثتها من بلدي الأم ومن النرويج. “هذا المزيج الثقافي أضاف لي الكثير على المستوى الشخصي. لدي الكثير من الاحترام للناس لأن كل واحد منا لديه قصته الخاصة”، كما تقول.

واختتمت الحديث، بنبرة أقرب ما تكون للفلسفية، بأن “التنوع الثقافي لا يمكن إلا أن يكون رصيدا يغني المجتمع … وحتى الاقتصاد كذلك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *