كتاب وآراء : يونس إجيري
لم تكن زيارة حزب الفنلنديين إلى مركز بوهوس التجاري في شرق هلسنكي مجرد محطة عابرة في برنامج سياسي، فقد تحولت الزيارة إلى مشهد أثار نقاشًا واسعًا حول الأمن والهجرة والتغير الديموغرافي، وحول الصورة التي تقدمها السياسة عن بعض المناطق التي أصبحت اليوم أكثر تنوعًا. وصل وفد الحزب إلى بوهوس بالحافلة، لكن أعضاءه لم ينزلوا منها بعد أن رأى أفراد الأمن أن النزول قد يشكل خطرًا، وهو ما فتح نقاشًا تجاوز تفاصيل الزيارة نفسها إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية تعامل السياسة الفنلندية مع مجتمع يتغير بسرعة.
من حق أي حزب سياسي أن يناقش الهجرة وأن ينتقد سياساتها، كما أن من حقه أن يطرح مخاوفه بشأن الأمن والاندماج والتغيرات التي يشهدها المجتمع الفنلندي. هذه قضايا مشروعة في أي ديمقراطية، لكن النقاش يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتحول مكان يعيش فيه أشخاص من خلفيات متعددة إلى رمز للخوف أو إلى صورة تختزل واقعًا اجتماعيًا كاملًا.
فنلندا تغيرت بالفعل، وهذه ليست وجهة نظر سياسية، وإنما حقيقة تؤكدها الأرقام الرسمية (هيئة الإحصاءات الفنلندية). ففي نهاية عام 2025 بلغ عدد الأشخاص من ذوي الخلفية الأجنبية في فنلندا 660 ألفًا و800 شخص، أي 11.7 بالمئة من مجموع السكان، والأكثر دلالة أن عدد الأشخاص من ذوي الخلفية الأجنبية الذين ولدوا في فنلندا تجاوز للمرة الأولى حاجز 100 ألف، ليصل إلى 102 ألف و183 شخصًا. وهؤلاء ليسوا مهاجرين وصلوا حديثًا إلى البلاد، بل جيل ولد في فنلندا ونشأ فيها، ودرس في مدارسها وجامعاتها، ويعمل ويعيش داخل المجتمع الفنلندي.
وهذه النقطة يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش جاد حول الهجرة، فالشاب الذي ولد في هلسنكي أو فانتا أو إسبو، ونشأ في المدارس الفنلندية ويتحدث لغة البلاد ويشارك في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن اختزاله في وصف مهاجر لمجرد أن والديه قدما من بلد آخر. كما أن الجاليات العربية والأجنبية في فنلندا لا تقتصر على سوق العمل أو الهجرة، بل تضم أطباء ومهندسين وأكاديميين وباحثين وطلبة ورجال أعمال وعاملين في التكنولوجيا والصحة والصناعة والخدمات، إلى جانب أسر استقرت في البلاد منذ سنوات طويلة وأصبح أبناؤها جزءًا من المجتمع الفنلندي.
وهؤلاء لا يعيشون خارج مشروع بناء فنلندا، بل يشاركون فيه كل يوم، من خلال العمل والتعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية وريادة الأعمال ودفع الضرائب والخدمات والمبادرات الاجتماعية. وكما ساهمت أجيال مختلفة من الفنلنديين في بناء الدولة الحديثة، فإن أبناء المهاجرين والمقيمين من خلفيات مختلفة أصبحوا أيضًا جزءًا من القوة العاملة والمجتمع والمؤسسات التي تشكل فنلندا اليوم. إن بناء فنلندا ليس مشروع مجموعة واحدة، بل مسؤولية مشتركة لكل من يعيش فيها ويساهم في مستقبلها ويحترم قوانينها ومجتمعها.
وفي منطقة أوسيما، التي تضم هلسنكي وفانتا وإسبو، أصبحت هذه التحولات أكثر وضوحًا، فقد بلغت نسبة السكان من ذوي الخلفية الأجنبية 20.1 بالمئة في نهاية عام 2025. وهذه ليست ظاهرة مؤقتة يمكن تجاهلها، وإنما واقع اجتماعي جديد تشكل على مدى عقود. وفي الوقت نفسه، من الطبيعي أن تناقش فنلندا قضايا الاندماج والتعليم وسوق العمل والهجرة غير النظامية والجريمة، فوجود مشكلات حقيقية لا يعني أن الحديث عنها ممنوع، كما أن انتقاد سياسات الهجرة لا يعني تلقائيًا رفض الأشخاص القادمين من بلدان أخرى. لكن هناك فرقًا بين مناقشة المشكلات وبين اختزال مجتمعات بأكملها في صورة واحدة.
وهنا تكمن أهمية بوهوس. فإذا أراد السياسيون فهم ما يحدث في هذه المنطقة، فإن أفضل وسيلة ليست فقط الوصول إليها، بل النزول إلى الشارع والاستماع إلى الناس. الحديث مع أصحاب المتاجر والسكان والعمال والشباب والعائلات يمكن أن يقدم صورة أكثر تعقيدًا وواقعية من أي خطاب سياسي. قد يسمع السياسي مخاوف حقيقية، وقد يسمع في الوقت نفسه قصصًا عن نجاح الاندماج والعمل والدراسة والحياة المشتركة. وهذا هو جوهر الحوار الديمقراطي، فالسياسة لا ينبغي أن تكتفي بالحديث عن الناس، بل عليها أيضًا أن تستمع إليهم.
بوهوس ليست مجرد مركز تجاري في شرق هلسنكي، وليست أيضًا صورة تختصر كل فنلندا. إنها مكان يعيش فيه الناس ويعملون ويدرسون ويفتحون المتاجر ويربون أبناءهم، بكل ما تحمله الحياة اليومية من نجاحات وتحديات. وفنلندا اليوم ليست البلد الذي كانت عليه قبل ثلاثين أو أربعين عامًا، والمجتمع الذي سيعيش فيه أبناء الجيل الجديد لن يكون مطابقًا للمجتمع الذي عرفه آباؤهم. هذا التغير ليس مسألة أيديولوجية، بل تحول اجتماعي وديموغرافي تؤكده الأرقام.
والتحدي الحقيقي أمام السياسة والإعلام والمجتمع ليس إنكار هذا التغيير ولا تضخيمه، وإنما فهمه وإدارته بعقلانية، من خلال احترام القانون وحماية الأمن وتعزيز الاندماج وفتح قنوات الحوار بين مختلف مكونات المجتمع. فبناء فنلندا في العقود المقبلة لن يعتمد فقط على من ولدوا فيها، وإنما أيضًا على كل من يساهم في اقتصادها وعلمها وخدماتها ومجتمعها، وعلى الأجيال الجديدة التي تنشأ فيها مهما اختلفت خلفيات عائلاتها.
بوهوس قد تكون مجرد زيارة سياسية انتهت في دقائق، لكنها كشفت أن النقاش حول الهجرة لم يعد نقاشًا عن أشخاص يصلون إلى فنلندا فقط، بل أصبح نقاشًا عن مجتمع موجود بالفعل، وعن جيل ولد هنا، وعن أناس يشاركون في بناء هذا البلد، وعن مستقبل فنلندا نفسها.
ولهذا فإن أفضل طريقة لفهم فنلندا الجديدة ليست النظر إليها من خلف زجاج الحافلة، وإنما النزول إلى الشارع والاستماع إلى الناس. فبوهوس ليست حكاية عن الأجانب وحدهم، ولا عن حزب الفنلنديين وحده، إنها في نهاية المطاف حكاية مجتمع فنلندي يتغير، وحكاية بلد يبنيه أبناؤه ومن اختاروا أن يجعلوا منه وطنًا لهم.


