كتاب وآراء: يونس إجيري
في فنلندا اليوم، يصعب الحديث عن مستقبل البلاد من دون الحديث عن الهجرة والمهاجرين. فالمجتمع الفنلندي لم يعد كما كان قبل عقود، والهجرة لم تعد ظاهرة مؤقتة أو قضية تخص أشخاصًا يعيشون على هامش المجتمع. هناك مهاجرون قدموا إلى فنلندا منذ سنوات طويلة وأصبحوا مواطنين فنلنديين، وهناك أبناء مهاجرين ولدوا هنا وتعلموا في مدارسها ويتحدثون لغتها ويعملون فيها، وهناك عائلات مختلطة تضم أبًا أو أمًا فنلنديًا، كما أن هناك أجيالًا جديدة تنشأ في فنلندا ولا تعرف وطنًا آخر غيرها. ومع ذلك، لا يزال جزء من الخطاب السياسي والإعلامي يتعامل مع “المهاجر” وكأنه شخص سيبقى إلى الأبد خارج تعريف المجتمع الفنلندي.
هذه النظرة لم تعد منسجمة مع الواقع. فالمهاجر الذي يعمل في مستشفى أو مدرسة أو مصنع أو شركة تكنولوجيا، ويدفع الضرائب ويشارك في الاقتصاد ويربي أبناءه في فنلندا، يساهم في بناء البلد مثل غيره. والمواطن الفنلندي الذي جاء إلى البلاد مهاجرًا ثم حصل على الجنسية لم يعد أجنبيًا من الناحية القانونية، بل أصبح مواطنًا له الحقوق والواجبات نفسها. أما الشاب الذي ولد في فنلندا لأبوين مهاجرين، فقد تكون فنلندا هي البلد الوحيد الذي يعرفه، ومن غير المنطقي أن يبقى تعريفه الاجتماعي والسياسي مرتبطًا إلى الأبد بأصل والديه. وحتى الشخص الذي لديه أب أو أم فنلندي/ة يمثل جزءًا من واقع عائلي أصبح أكثر حضورًا في المجتمع الفنلندي.
من هنا يجب أن يبدأ النقاش السياسي الحقيقي. فالسؤال ليس فقط كم مهاجرًا تريد فنلندا أن تستقبل، وإنما كيف تريد أن يكون موقع الأشخاص الذين يعيشون فيها بالفعل، وكيف يمكن أن يتحول وجودهم الاجتماعي والاقتصادي إلى مشاركة حقيقية في المجتمع وفي الحياة السياسية.
وعند النظر إلى الأحزاب الفنلندية، نجد اختلافات واضحة في الإجابة عن هذه الأسئلة. حزب الخضر يتبنى عمومًا مواقف أكثر انفتاحًا في قضايا الهجرة واللجوء ولمّ الشمل ومكافحة العنصرية، ويتضمن برنامجه لعام 2026 مقترحات لتسهيل بعض جوانب الهجرة والجنسية. وتحالف اليسار يركز بصورة كبيرة على حقوق العمال والعدالة الاجتماعية، ويتبنى في قضايا الهجرة واللجوء مواقف أكثر انفتاحًا من الأحزاب التي تطالب بسياسات أكثر تشددًا. أما الحزب الاشتراكي الديمقراطي، فعلى الرغم من تاريخه المرتبط بحقوق العمال والخدمات الاجتماعية، فقد أصبح أكثر تشددًا في بعض قضايا الهجرة والاندماج، مع اهتمام أكبر باللغة ومتطلبات الاندماج.
في المقابل، يدفع حزب الفنلنديين باتجاه سياسة أكثر تشددًا في الهجرة، وخاصة في ما يتعلق بالهجرة الإنسانية واللجوء، بينما يركز حزب الائتلاف الوطني بصورة أكبر على الهجرة المرتبطة بالعمل واحتياجات الاقتصاد، مع دعم تشديد بعض شروط الهجرة والاندماج. أما حزب الشعب السويدي فيعطي أهمية للتعددية اللغوية ومكافحة التمييز وجذب أصحاب الكفاءات. وهذه الاختلافات تجعل من الصعب وضع جميع الأحزاب في خانة واحدة، كما تجعل من الصعب القول إن هناك حزبًا واحدًا يمثل جميع المهاجرين.
فالمهاجرون أنفسهم ليسوا كتلة سياسية واحدة. العامل قد يرى أن الأجور وظروف العمل هي القضية الأهم بالنسبة إليه، وصاحب الشركة قد يعطي الأولوية للضرائب والاقتصاد، والطالب قد يهتم بمستقبله بعد التخرج، والأسرة قد تضع لمّ الشمل والتعليم والسكن في مقدمة اهتماماتها. أما المواطن الفنلندي من أصول مهاجرة فقد تكون أولوياته مرتبطة بالاقتصاد والتعليم والصحة ومستقبل أطفاله أكثر من ارتباطها بسياسة الهجرة. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس “أي حزب هو حزب المهاجرين؟”، بل “ما الذي يقوله كل حزب في القضايا التي تؤثر في حياتي؟”.
لكن المفارقة الكبرى في هذا النقاش هي أن المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة أصبحوا جزءًا مهمًا من المجتمع، بينما لا تزال مشاركتهم السياسية أقل بكثير من حضورهم الاجتماعي. وهنا تكشف الأرقام الرسمية عن مشكلة تستحق النقاش. ففي الانتخابات البلدية لعام 2025 بلغت نسبة المشاركة بين الناطقين باللغات الأجنبية 22.4%، مقابل 54.8% بين الناطقين بالفنلندية والسامية، أي بفارق يزيد على 32 نقطة مئوية. كما ظهر فارق يقارب 33 نقطة مئوية عند المقارنة بين ذوي الخلفية الفنلندية وذوي الخلفية الأجنبية.
وفي الانتخابات البرلمانية لعام 2023، بلغت نسبة المشاركة بين الناطقين باللغات الأجنبية 39.1% في المناطق التي توفرت عنها بيانات التصويت، وكانت أقل بنحو 32 نقطة مئوية من إجمالي الناخبين في تلك المناطق. هذه الأرقام لا تعني أن كل مهاجر غير مهتم بالسياسة، ولا تفسر وحدها أسباب العزوف، لكنها تكشف فجوة كبيرة في المشاركة تستحق أن تسأل عنها الأحزاب والمجتمع والمهاجرون أنفسهم.
المفارقة أن جزءًا من المواطنين الأجانب المقيمين في فنلندا يستطيعون التصويت في الانتخابات البلدية وفق شروط الإقامة، حتى من دون حمل الجنسية الفنلندية. أي أن الشخص الذي يعيش في مدينة فنلندية ويستخدم خدماتها ويرسل أبناءه إلى مدارسها ويدفع الضرائب فيها يمكن أن يكون له صوت في تحديد اتجاه البلدية التي يعيش فيها. ومع ذلك، فإن نسبة المشاركة بين بعض الفئات الأجنبية تبقى منخفضة جدًا. أما في الانتخابات البرلمانية، فحق التصويت مرتبط بالجنسية الفنلندية، ما يجعل الحصول على الجنسية بالنسبة إلى كثير من المهاجرين خطوة مهمة ليس فقط من الناحية القانونية، وإنما من ناحية المشاركة الديمقراطية أيضًا.
لماذا يحدث ذلك؟ لا توجد إجابة واحدة. اللغة قد تكون عائقًا، وعدم فهم النظام السياسي الفنلندي قد يكون سببًا آخر، كما أن عدم معرفة المرشحين أو الشعور بأن الأحزاب لا تتحدث إلى المهاجرين إلا عندما تحتاج إلى أصواتهم قد يؤدي أيضًا إلى الابتعاد عن الانتخابات. وهناك مهاجرون جاءوا من دول لا تشكل المشاركة السياسية فيها جزءًا قويًا من الحياة العامة، ولذلك فإن بناء علاقة جديدة مع الديمقراطية الفنلندية يحتاج إلى وقت ومعرفة وثقة.
لكن من غير العادل أن نضع المسؤولية كلها على المهاجرين. الأحزاب تتحمل جزءًا من المسؤولية أيضًا. فإذا أرادت الأحزاب أن تصل إلى مجتمع متعدد الخلفيات، فعليها ألا تتحدث عن المهاجرين فقط، بل أن تتحدث معهم وتستمع إلى مشكلاتهم، وأن ترى فيهم سكانًا وناخبين ومواطنين حاليين ومستقبليين، وليس مجرد أصوات يمكن استقطابها في موسم الانتخابات. كما أن وجود مرشحين من خلفيات مهاجرة يمكن أن يساعد في توسيع دائرة المشاركة، حتى وإن كان الأصل العرقي أو الخلفية الثقافية لا يعنيان بالضرورة أن المرشح يمثل جميع المهاجرين أو يتبنى المواقف نفسها التي يتبناها الآخرون.
وفي المقابل، على المهاجرين أن يخرجوا هم أيضًا من موقع المتفرج. لا يمكن أن نطالب بأن يكون لنا تأثير أكبر في القوانين والسياسات ثم نترك الآخرين يقررون نيابة عنا. لا يمكن أن ننتقد قوانين الإقامة والعمل والاندماج والتعليم والخدمات، ثم لا نهتم بمن يضع هذه القوانين أو من يملك القدرة على تغييرها. ولا يمكن أن نقول إن الأحزاب لا تمثلنا إذا كنا لا نقرأ برامجها ولا نتابع مرشحيها ولا نشارك عندما يكون لنا حق التصويت.
والأهم أن المشاركة السياسية لا تعني بالضرورة الانضمام إلى حزب أو الاتفاق مع الحكومة أو المعارضة. المشاركة تبدأ من المعرفة، ومن متابعة ما يحدث، ومن فهم الحقوق الانتخابية، ومن مقارنة البرامج والمواقف، ثم اتخاذ القرار بشكل مستقل. وبعد ذلك يمكن أن تتطور المشاركة إلى الانضمام إلى جمعية أو حزب، أو المشاركة في النقاش العام، أو الترشح للانتخابات المحلية والوطنية.
ولعل الجيل الجديد هو الأكثر أهمية في هذه المعادلة. الشاب الذي ولد في فنلندا لأبوين مهاجرين، أو الذي لديه أب أو أم فنلندي/ة، أو الذي جاء إلى البلاد في طفولته وكبر فيها، لن يقبل بالضرورة أن يبقى طوال حياته محصورًا في تعريف “المهاجر”. هذا الجيل يعرف فنلندا من الداخل، ويفهم المجتمع واللغة والنظام التعليمي وسوق العمل، وسيكون جزءًا من مستقبل البلاد سواء شارك في السياسة أم بقي بعيدًا عنها. ولذلك فإن السؤال بالنسبة إلى هذا الجيل ليس فقط كيف ينظر إليه المجتمع الفنلندي، وإنما كيف يريد هو أن يكون موقعه داخل هذا المجتمع.
فنلندا بحاجة إلى أن تنظر إلى هذا التنوع باعتباره حقيقة اجتماعية وسياسية، لا مجرد قضية انتخابية مؤقتة. والمهاجرون بحاجة في الوقت نفسه إلى أن يدركوا أن الاندماج لا يعني فقط تعلم اللغة والحصول على وظيفة أو الجنسية، وإنما يمكن أن يعني أيضًا المشاركة في النقاش العام وفي المؤسسات الديمقراطية التي تحدد مستقبل البلد.
في النهاية، لا أعتقد أن من المفيد اختزال النقاش في سؤال “أي حزب هو الأقرب إلى المهاجرين؟”. الأحزاب مختلفة، والمهاجرون مختلفون، والمصالح مختلفة، ولذلك ينبغي لكل شخص أن يقرأ البرامج والمواقف ويقارن بينها وفق القضايا التي تهمه، ثم يتخذ قراره بنفسه. لكن هناك سؤالًا أكبر من مسألة الحزب الذي يقترب من المهاجرين: لماذا لا يزال حضور المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة في صناديق الاقتراع أقل من حضورهم الحقيقي في المجتمع؟
فالمهاجرون موجودون في أماكن العمل، وفي المدارس، وفي الجامعات، وفي المستشفيات، وفي الشركات، وفي الأحياء والمدن. بعضهم أصبح مواطنًا فنلنديًا، وبعضهم ولد هنا، وبعضهم لديه أب أو أم فنلندي/ة، وبعضهم ما زال يحمل جنسية أخرى لكنه يعيش حياته في فنلندا. لقد أصبحوا جزءًا من البلد، لكن المشاركة السياسية لم تلحق بعد بهذا الحضور الاجتماعي.
وربما تكون الرسالة الأهم هنا بسيطة: لا يكفي أن نكون جزءًا من بناء فنلندا اقتصاديًا واجتماعيًا؛ علينا أيضًا أن نكون جزءًا من النقاش الديمقراطي حول مستقبلها. فالمقيم الأجنبي الذي يستوفي شروط التصويت في الانتخابات البلدية لديه حق المشاركة في اختيار ممثليه محليًا، والمواطن الفنلندي، سواء كان من أصول مهاجرة أو غير ذلك، يملك حق المشاركة في الانتخابات الوطنية. وفي المقابل، على الأحزاب والمؤسسات السياسية أن تدرك أن المجتمع الذي تخاطبه اليوم أكثر تنوعًا من المجتمع الذي كانت تخاطبه قبل عقود، وأن هذا التنوع يجب أن ينعكس بصورة أكبر في الحياة السياسية وفي عملية صنع القرار.
فنلندا تتغير، والمهاجرون جزء من هذا التغيير. والسؤال الذي سيصبح أكثر أهمية مع مرور الوقت ليس ما إذا كان المهاجرون جزءًا من فنلندا، وإنما إلى أي مدى سيكون لهم صوت في تحديد فنلندا التي سيعيش فيها أبناؤهم غدًا.


