يونس إجيري من هلسنكي
أكد رئيس الوزراء الفنلندي بيتر أوربو أن التحولات المتسارعة في البيئة الدولية تفرض على أوروبا تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها ودفاعها، مشددًا على أهمية مواصلة دعم أوكرانيا وتعزيز التعاون الأوروبي والنوردي في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها أوربو خلال الاجتماع السنوي لرؤساء البعثات الدبلوماسية الذي استضافته وزارة الخارجية الفنلندية في هلسنكي، الاثنين 24 غشت 2026، حيث استعرض أبرز التحولات التي شهدها العالم خلال العام الماضي وانعكاساتها على السياسة الخارجية والأمنية لفنلندا.
وقال أوربو، إن العالم يعيش مرحلة من عدم اليقين، مشيرًا إلى أن التغيرات في السياسة الأمريكية، إلى جانب الحرب الروسية على أوكرانيا، تفرض تحديات جديدة على القيادة السياسية والدبلوماسية الفنلندية.
وأكد أوربو، أن الحكومة الفنلندية تضع مصالح فنلندا والفنلنديين في مقدمة أولوياتها، مشددًا على أن العمل الدبلوماسي يظل عنصرًا أساسيًا في بناء الأمن، رغم خفض نفقات التشغيل في وزارة الخارجية بسبب أوضاع المالية العامة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن حكومة بلاده واجهت خلال السنوات الثلاث الماضية سلسلة من التحديات المباشرة، بينها الحرب الروسية على أوكرانيا، وانضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالكابلات وخطوط الأنابيب، وما وصفه بالهجرة المُسَيّسة على الحدود الشرقية، فضلًا عن دخول طائرات مسيرة أوكرانية إلى الأراضي الفنلندية خلال الربيع.
دعم أوكرانيا وتعزيز الدفاع
وفيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، قال أوربو إن روسيا تواصل حربها واسعة النطاق، مشيرًا إلى أن الهجمات الروسية أوقعت أعدادًا متزايدة من الضحايا المدنيين وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة.
وأكد الوزير، أن فنلندا ستواصل دعم أوكرانيا عسكريًا، بالتوازي مع تحمل مسؤوليتها عن أمنها باعتبارها دولة تقع على الحدود الخارجية لكل من الاتحاد الأوروبي والناتو. كما أشار إلى مبادرة مشتركة بين فنلندا وأوكرانيا لتعزيز ملاجئ الحماية المدنية، داعيًا دولًا أخرى إلى الانضمام إليها.
وأضاف المتحدث، أن الحرب في أوكرانيا أظهرت الدور المتزايد للتكنولوجيا في الحروب الحديثة، ولا سيما استخدام الطائرات المسيرة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الحرب التقليدية لم تختفِ.
وقال أوبو، إن فنلندا تستفيد من التجربة الأوكرانية في تطوير القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية، وتسعى إلى إطلاق تعاون صناعي يدعم دفاع أوكرانيا والصناعة الدفاعية الفنلندية في آن واحد، والاستعداد لمرحلة جديدة من الحروب الأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا.
وحذر أوربو من استمرار الأنشطة الروسية الهجينة وأعمال التخريب التي تستهدف البنية التحتية الحيوية في فنلندا ودول أوروبية أخرى، مؤكدًا أن التهديد الروسي للأمن الأوروبي سيستمر لفترة طويلة.
وأشار إلى أن فنلندا تعزز قدراتها الدفاعية، بما في ذلك من خلال زيادة الإنفاق العسكري والاستثمار في مجالات الطائرات المسيرة والأمن السيبراني والفضاء، إلى جانب تطوير قدرات الجيش. وقال إن الإنفاق الدفاعي الفنلندي المصنف ضمن “الدفاع الصلب” وفق معايير الناتو سيصل إلى 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2029.
ولفت أوربو إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي في عدد من الدول تفتح فرصًا كبيرة أمام الصناعة الدفاعية الفنلندية، موضحًا أن مبيعات الشركات الأعضاء في اتحاد الصناعات الدفاعية والفضائية الفنلندية ارتفعت بنحو 42% خلال العام الماضي، وأن نحو 55% من هذا النشاط ارتبط بالصادرات.
وأكد أوربو كذلك أهمية التعاون بين دول الشمال الأوروبي، معتبرًا أن انضمام جميع دول المنطقة إلى الناتو جعل التعاون الدفاعي بينها أكثر أهمية. وقال إن فنلندا والسويد وبقية دول الشمال تشكل معًا قوة دفاعية متكاملة على الجناح الشرقي لأوروبا والناتو، من منطقة القطب الشمالي إلى بحر البلطيق.
وفي الشأن الأوروبي، دعا رئيس الوزراء إلى توجيه المزيد من الأموال إلى الدفاع والأمن، وكذلك إلى البحث والابتكار والقدرة التنافسية، مع استخدام الأموال العامة الأوروبية بكفاءة ومسؤولية. كما شدد على ضرورة استمرار الدعم القوي لأوكرانيا وتعزيز الصناعات الدفاعية والبنية التحتية الحيوية في أوروبا.
وتطرق أوربو إلى أزمة الهجرة، مؤكدًا أن حرية الحركة داخل أوروبا لا يمكن أن تستمر من دون حدود خارجية فعالة، مع ضرورة ألا تُترك أي دولة عضو بمفردها في مواجهة أزمات الحدود. وقال إن فنلندا لا تريد ولا تسمح بظهور أزمة هجرة جديدة غير خاضعة للسيطرة، مشيرًا إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز أمن الحدود الشرقية.
كما تناول رئيس الوزراء قضية المناخ والطاقة، مشددًا على ضرورة خفض الانبعاثات والانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة بطريقة تحافظ في الوقت نفسه على تنافسية الصناعة الأوروبية. وأشار إلى أن فنلندا تريد المزيد من الطاقة النووية، وأن البلاد استقطبت خلال العام الماضي استثمارات قياسية في الصناعة النظيفة وإنتاج الطاقة تجاوزت 8 مليارات يورو.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع الولايات المتحدة، أكد أوربو أن التعاون الفنلندي الأمريكي أصبح أقرب من أي وقت مضى، لكنه أشار إلى أن أوروبا لم تعد أولوية الولايات المتحدة الأولى، ولذلك يتعين على أوروبا تحمل مسؤولية أكبر عن الأمن والدفاع في قارتها.
كما أشار إلى أهمية استمرار الحوار مع الصين والهند، لافتًا إلى أن فنلندا تسعى إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع الهند، بينما دعا الصين إلى استخدام نفوذها للمساعدة في إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا.
وفي الشأن الدولي، أعرب أوربو عن قلقه إزاء استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، مؤكدًا أهمية منع إيران من تطوير سلاح نووي، وضمان حرية الملاحة وأمن البحر الأحمر. كما أكد دعم فنلندا لحل الدولتين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وللجهود الدولية الرامية إلى تحقيقه.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال أوربو إن الاقتصاد الفنلندي بدأ أخيرًا في النمو، مشيرًا إلى أن معدل النمو خلال الربع الأول من العام كان الأسرع بين دول الاتحاد الأوروبي، وأن الصادرات من السلع والخدمات بلغت مستوى قياسيًا خلال الفترة من شهر أبريل إلى يونيو بقيمة 34.6 مليار يورو.
وأضاف الوزير، أن الحكومة تتوقع استمرار تحسن الطلب المحلي وارتفاع القوة الشرائية، لكنه أشار في المقابل إلى أن المالية العامة ستحتاج إلى تعزيز يتراوح بين 8 و11 مليار يورو سنويًا خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
وختم أوربو كلمته بالتأكيد على ضرورة مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاستثمار في البحث والتطوير والتكنولوجيا، إلى جانب جذب مزيد من الخبرات والاستثمارات الأجنبية، مشيدًا بما وصفه بقدرة فنلندا على التعامل مع الظروف الصعبة “بهدوء وواقعية”.


